أصبحت ثورة الذكاء الاصطناعي تحولًا معرفيًا شاملًا يعيد صياغة كل ما يتعلق بالإنسان من أنماط التفكير وأساليب العمل، إلى طرائق التعليم ومناهج البحث والإبداع، وتمتد لتعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والتعليم، فلم يعد التفكير كما كان، ولا طرق التعلم كما عهدناها، ولا أنماط العمل كما ورثتها الأجيال، وفي خضم هذا التحول الجذري، وجدت الجامعات نفسها الحاضنة التاريخية للمعرفة والرافعة الأساسية للتنمية والابتكار في وقت تتعرض فيه مفاهيم التعليم والبحث العلمي لاختبار جذري.
واضحت الجامعة مطالبة بأن تكون مصنعًا للعقول النقدية، ومختبرًا للابتكار، وفضاءً جامعًا للقيم الإنسانية، ومن ثم يتجلى مفهوم هندسة الجامعات، كمشروع لإعادة تشكيل الجامعة من الداخل، في بنيتها الإدارية، وهياكلها التعليمية، وفلسفتها التربوية، ورسالتها الحضارية، فالمسألة لم تعد مرتبطة بتطوير المناهج أو توسيع البنية التحتية فحسب، وإنما بتأسيس نموذج جديد يجعل الجامعة قادرة على التكيف مع روح العصر الرقمي، ومتصالحة مع الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد جوهرها الإنساني.
وتعني الهندسة إعادة تصميم المنظومة الجامعية بما يجعلها أكثر مرونة ورشاقة، وأكثر قدرة على مواكبة تحديات الزمن، وتبدأ من الإدارة الجامعية التي تحتاج إلى حوكمة رقمية حديثة، تقوم على الشفافية والفاعلية، وتمتد إلى التعليم الذي يجب أن يتجاوز التلقين إلى التعلم التفاعلي، وإلى البحث العلمي الذي ينبغي أن يتوجه نحو مشكلات المجتمع وقضاياه الملحة، وينفتح على الصناعة والاقتصاد، ولا تكتمل هذه الهندسة من دون بعد قيمي يعيد الاعتبار لأخلاقيات المعرفة، ويضمن أن يظل الإنسان مركز العملية التعليمية، لا مجرد تابع للتكنولوجيا.
ويكتسب هذا الطرح بعدًا خاصًا في السياق المصري، حيث وضعت الدولة المصرية التعليم والبحث العلمي في قلب مشروعها الحضاري للتنمية المستدامة، فقد أدركت القيادة السياسية أن بناء الإنسان هو الركيزة الأولى للنهوض، وأن الجامعة هي المحرك الأساسي لهذا البناء، ومن هنا جاءت رؤية مصر 2030 لتضع التحول الرقمي، والابتكار، وتحديث الجامعات في صميم استراتيجيتها الوطنية، وقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق سلسلة من المبادرات التي تعكس ملامح هندسة الجامعات في نسختها المصرية، حيث تأسست جامعات ذكية وأهلية وتكنولوجية في مختلف الأقاليم، مثل جامعات العلمين الدولية والجلالة والمنصورة الجديدة وسلمان الدولية، لتكون منصات عصرية للمعرفة، تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتفتح آفاقًا جديدة للطلاب نحو سوق العمل العالمي.
وتمضي الجامعات المصرية في مشروع التحول الرقمي عبر رقمنة البنية التحتية، وتطوير منصات تعليم إلكتروني، واعتماد نماذج التعليم الهجين التي تجمع بين الحضور الواقعي والتفاعل الافتراضي، كما أُعيد الاعتبار للبحث العلمي التطبيقي من خلال ربط مراكز البحوث الجامعية بقضايا المجتمع واحتياجاته، في الزراعة والصحة والطاقة والصناعة، بما يجعل الجامعة شريكًا فاعلًا في التنمية الوطنية.
وتواجه هندسة الجامعات تحديات جمة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالفجوة الرقمية لا تزال قائمة بين الجامعات الكبرى ونظيراتها الإقليمية، والتكلفة العالية لتحديث البنية التكنولوجية ومن ثم تشكل عبئًا ثقيلًا على الموازنات، ومقاومة التغيير من بعض الكوادر الجامعية، وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى صياغة منظومة أخلاقية تضبط علاقة الجامعة بالذكاء الاصطناعي، بحيث يكون وسيلة لخدمة الطالب والباحث والمجتمع.
ورغم جسامة التحديات، فإن الآفاق التي يفتحها مشروع هندسة الجامعات تبدو رحبة وهائلة، حيث يمكن للجامعات المصرية أن تتحول إلى مراكز إقليمية رائدة في البحث والتطوير بمجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وأن تعزز تنافسية خريجيها في سوق العمل المحلي والعالمي على حد سواء، ومن خلال هذا التحول، تستطيع مصر أن تقدم للعالم نموذجًا عربيًا وإفريقيًا متفرّدًا للجامعة الذكية؛ جامعة تحافظ على هويتها الوطنية المتجذرة في تاريخها الحضاري العريق، وفي الوقت ذاته تنفتح على العصر، وتواكب مستجداته، وتستثمر فرصه دون أن تذوب في تياراته.
وما يميز التجربة المصرية أنها لا تنظر إلى الرقمنة والتكنولوجيا كبديل عن البعد الإنساني والقيمي، وتسعى إلى صياغة معادلة متوازنة تدمج بين الرقمنة والإنسانية، وبين التكنولوجيا والهوية، لتصنع نموذجًا متكاملًا في التعليم العالي، فهي تسعى إلى بناء طالب متفوق علميًا، متمكن معرفيًا، راسخ قيميًا، منتم وطنيًا، قادر على المنافسة والإبداع عالميًا، في صورة تترجم طموح مصر لأن تكون في مقدمة الأمم التي تملك زمام المعرفة وتوجه مسارها.
ونؤكد أن هندسة الجامعات يعد خيار حضاري يرسم ملامح موقع مصر في المستقبل، ويعيد تأكيد مكانتها التاريخية كمنارة للعلم والفكر والحضارة، وكما كانت مصر عبر العصور مهدًا للمعرفة الإنسانية، ووجهة للباحثين والعلماء، فإنها اليوم وفي ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تقدم للعالم نموذجًا جديدًا للجامعة الحديثة، جامعة عصرية ذكية، تمتلك أدوات العلم والتكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه إنسانية في جوهرها، مصرية في هويتها، عالمية في رسالتها، ومن ثم تتحول الجامعة إلى مؤسسة شاملة، تحمل رسالة متوازنة، ترسخ القيم وترسخ الهوية، وتستثمر التكنولوجيا لتبني خريجًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر والإسهام في بناء حضارة إنسانية راشدة.
بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر