رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في ظلال لقاء مفقود

ما أقسى أن يلتقي قلبان في عالم الحروف.. ولا يجتمعا في حضن الحياة! وما أشد أن يتحول الحب إلى رسائل مرتجفة تحمل أنفاس العاشقين، فلا يربطهما سوى الورق والانتظار..
صدى الأرواح في رسائل غياب لا تصل.. كموعد في ظلال لقاء مفقود.. في كل سطر من رسائل جبران ومي، دمعة مخنوقة، وصرخة مكتومة، ولوعة حبٍ يشتعل ولا ينطفئ. إنّه حبٌ كُتب عليه أن يعيش بالغياب مستحيلا.. أن يزداد ألمًا كلما أشرق الصباح أو احمرّت السماء عند الشفق.
يتجدد مولده في انكسار الضوء عند كل غروب، يولد وجع خفي يشبه صدى الأرواح حين تنادي أحبتها البعيدة. هناك، في وحشة الشفق، تبدأ الحكايات التي لم يكتمل لها لقاء، وتظل القلوب معلّقة بين الأمل والفقد.
سرهما مخفي عند حافة الشفق، حيث تمتزج الألوان بالحنين وراء الأفق.. تتنفس الأرواح حروفًا من حب لا يزول. وهناك، في صمت المساء، يطل جبران ومي كحكاية عشق أبدية لم تُروَ كاملة.
وهكذا في لحظات الغروب، حين يتلوّن الأفق بحمرة الشفق، تتسرب إلى الروح مشاعر لا توصف، وكأنها رسائل من عالم آخر. هناك، بين خفقات القلب وصمت الطبيعة، يولد الحنين ويتجسد العشق في أبهى صوره. وما أعظم أن يجتمع الجمال مع الألم في قصة حبٍ لم يُكتب لها لقاء، لكنها خُلِّدت بالكلمات والرسائل والآهات، كما خُلِّدت بين جبران خليل جبران ومي زيادة. قصة عاطفة نقية تجاوزت حدود الجسد، لتسكن في فضاءات الروح واللغة، حيث تتحاور الأرواح وتبقى الحروف شاهدة على لهفة لا تنطفئ.
كقصدة عذبة ما أرق أطياف الورد وألوان الزهور فيها.. تبث جمالها في أثير الروح وتسرقنا إلى عوالم خارج حدود الزمان والمكان .. تتناغم ورؤي النفوس والأرواح الصافية.. تأسرنا بجمالها الرباني.. تذهل لها الألباب.. ولا ينتهي تأثيرها أو أثرها على الروح أبدا فتزهو وتربو..
وكم من مفردات الجمال في الكون لغة ورسول للأرواح الصافية الربانية..
الأمر المحير حقا وأنا اقرأ وأتامل مفردات الكون والطبيعة أنني لا أعرف إن كان لي هذا الخاطر الذي أتى ووقر بالنفس أم لا؟!
متسائلا ونفسي ألا من تأكيد لي لتهدأ نفسي أم هذا مجرد خاطر وخيال؟!
لكن أعود حائرا محدثا نفسي أكثر محال أن يقر هكذا بالروح ولا يكون حقا وصدقا..
ألا من رسالة تترجمها الروح لتتأكد فتحييها.. إشارة من العالم الآخر الذي ترتاده..؟!
إنها لغات لايفهمها ولن يفهمها أو يدركها أي أحد أبدا.. لكنها لغة حياة.. ولعل هذه الخاطر ذكرني بما كان من حب عظيم بين "جبران خليل جبران" و"مي زيادة" .. وما كان من رحلة حياة إبداع..
كان حبا عظيما حقا بين "مي " و"جبران" وقد استمرت بينهما الرسائل سنوات طويلة حيث إعترفت "مي زيادة" لجبران بحبها بعد إثنا عشر عاما بعد رسالتها الأولى، لدرجة جعلت جبران يشعر بحيرة وقلق التساؤلات هل هو يحلم؟ هل تلك الرسائل له أم لا؟! هل هي خجولة أم أن كبرياءها يمنعها من حبه؟!
وأبدا لم تتوقف مشاعرها تجاهه، أو مشاعره تجاهها وعندما سمعت بمرضه آزرته ووقفت بجانبه بروحها ولم تتركه في محنته.
ورغم تعبير الكثير من الأدباء ومحاولة أكثر الشعراء عن حبهم لها ومحاولة اقترابهم منها، إلا أنها لم تحب إلا جبران وذلك ما زاد آلامها النفسية وأرهق أعصابها وزاد معاناتها في تلك العلاقة التي لم تنتهي بموت جبران خليل جبران.
ومي زيادة أديبة وكاتبة عربية أتقنت تسع لغات هي: العربية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية.
وتلك هي إحدى رسائل مي زيادة لحبيبها جبران خليل جبران:
(...جبران!
" لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب. إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة، ويفضلون أي غربة وأي شقاء وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة".
ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري
الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.
إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. ما هو؟ قل لي أنت ما هو. وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك.. وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.
... غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، آلهة الحب، أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟ ربما وجد فيها بنت هي مثلي، لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب. تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحب، فتتسرب إليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد)
وهكذا تبقى رسائل مي وجبران مرآةً صافية لعاطفة لا يحدها زمن ولا يطفئها موت، بل تزداد ألقًا كلما قرأناها وتأملناها. لقد كان حبهما نشيدًا من نور، وإن لم يلتقيا جسدًا فقد التقيا روحًا في عالم أسمى، حيث لا تفنى الكلمات ولا تموت المشاعر. في كل حرف كتبته مي، وفي كل شجن حمله جبران، نسمع صدى وحشة الشفق… تلك الوحشة التي لا يبددها سوى الإيمان بأن الحب الحقيقي لا يعرف الغياب، بل يعيش أبديًا في قلوب العاشقين.
ودوما يبقى الشفق شاهدًا على وجع اللقاء المؤجل، وتبقى الكلمات جسرًا بين روحين لم يجمعهما زمان. فالحب الذي كتباه بالحروف، سيظل خالدًا، لا يعرف غيابًا ولا انتهاء.
رحل جبران وبقيت مي تناجي اسمه بين السطور، كأنها تكتب لتطفئ غربةً لا يبددها زمن. وهكذا، يظل حبّهما قصيدة ناقصة، لا يكتمل شجنها إلا في السماء، حيث تنتهي كل وحشة… ويبتدئ اللقاء.
لقد كان جبران حبيبًا لم تره مي سوى في خيالها، ومع ذلك ملك روحها إلى الأبد. كانت تخاطبه كما يخاطب القلب نصفه الضائع، وتكتب إليه كما لو أن العالم كله لا يسعه سواهما. وحين نقرأ كلماتهما، لا نملك إلا أن نتمنى لو كنّا مكانه، لو كانت مي تكتب إلينا، لو أن هذا الحب الذي جاوز حدود الزمن والغياب قد خُطَّ لنا نحن… لنشعر بتلك اللذة الممزوجة بالعذاب، ونصير جبران الآخر في أعينها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة