منذ أكثر من سبعين عامًا، والقضية الفلسطينية حاضرة في قلب مصر ووجدانها، لا تفارق قرارها السياسي ولا تتراجع عن مكانتها المركزية في أولوياتها القومية والعربية. فمنذ أن قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، ومصر تترجم هذا الحديث عمليًا عبر مواقفها الثابتة وتضحياتها المتواصلة دفاعًا عن أشقائها الفلسطينيين، إدراكًا منها أن أمن فلسطين هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر والأمة كلها.
## مصر.. درع الأمة وحامي بوابتها الشرقية
لم يكن دور مصر في القضية الفلسطينية وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي منذ حرب 1948، ثم نضالاتها في 1956 و1967 وحرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حين رفعت مصر راية العروبة والدفاع عن الأرض المقدسة. واليوم، يواصل الرئيس عبد الفتاح السيسي ذات المسار، مدركًا أن ما يجري في غزة ليس مجرد نزاع محلي، بل محاولة ممنهجة لاقتلاع شعب من أرضه وفرض واقع جديد على المنطقة.
لقد أكدت القاهرة، في موقفها الأخير، رفضها التام لخطط إسرائيل الرامية للسيطرة على مدن القطاع، واعتبرت ذلك انتهاكًا فجًّا للقانون الدولي والإنساني. ولم تكتفِ بالبيانات، بل دفعت بقوافل المساعدات، وتحملت تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية جسيمة، لتؤكد أن مصر – كما قال الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99] – ستظل دائمًا ملاذًا للأمن والعطاء وصوتًا للحق في وجه الظلم.
## التكامل المصري–السعودي.. شراكة المصير الواحد
لقاء الرئيس السيسي بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في نيوم لم يكن اجتماعًا بروتوكوليًا، بل محطة فارقة أكدت أن القاهرة والرياض تتحركان برؤية مشتركة: حماية استقرار المنطقة، وتعزيز الجبهة العربية، وتوظيف التعاون الاقتصادي والسياسي لمواجهة المخاطر.
لقد شدد الزعيمان على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، وأهمية إدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق، في وقت يغض فيه العالم الطرف عن مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم.
## مصر.. صوت العقل في زمن الاضطراب
في عالم تسوده الصراعات وتتصاعد فيه لغة القوة، تبقى مصر الصوت المتوازن، تدعو للسلام العادل لا الاستسلام، وتتمسك بمبدأ "حل الدولتين" باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن مصر اليوم، بجهودها الدبلوماسية ومساعيها لوقف إطلاق النار، وتجنيب المنطقة الانزلاق إلى حرب أوسع، لا تدافع عن فلسطين فقط، بل عن *الأمن العربي برمته*، وعن حاضر ومستقبل أجيال بأكملها.
## خلاصة
إن التاريخ يُعيد نفسه: كما كانت مصر دائمًا رأس الحربة في مواجهة الاستعمار والاحتلال، تعود اليوم لتؤكد أن *لا حل في المنطقة دون القاهرة*، ولا استقرار دون دورها الفاعل.
وبالتكامل مع السعودية، وبثقلها العربي والإسلامي، تتشكل معادلة جديدة تضع قضايا الأمة في صدارة الاهتمام، وترفض منطق الغطرسة والقوة العمياء.
مصر، وهي تؤدي دورها المحوري، إنما تترجم وصية نبي الأمة ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»؛ بنصرة المظلوم الفلسطيني، وردع الظالم المعتدي، وصون وحدة الأمة وأمنها.
وهكذا تبقى مصر – بجيشها وشعبها ودبلوماسيتها – *حائط الصد الأول وضمير الأمة الحيّ*، تحمل على عاتقها أمانة الدفاع عن الأرض والعرض، لتظل دائمًا "قلب العروبة النابض" و"الركن الركين" في معادلة الاستقرار والكرامة بالمنطقة.