رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


من منا لم يفكر في دخول ما يسمي "كليات القمة" أو يحلم لفلذات كبده بتبوء القمة عبر تلك الكليات التي يبدو العبور إليها في زماننا أصعب من عبور المانش..؟!
منذ نعومة أظفارهم، يُبرمج أطفالنا في مصر على أن مفتاح المجد والنجاح لا يُصاغ بالموهبة ولا تُصنع ملامحه بالإبداع، بل يُرسم بمجموع الدرجات؛ فكليات القمة رُفعت إلى مرتبة التقديس، وغدت بوابة العائلة إلى الصعود الاجتماعي وربما الفخر والتباهي، ووسيلة المدرسة إلى الترويج، وساحة المعركة السنوية بين الأسر، لا بين العقول.
تُرى هل تغير شيء في مجتمعاتنا؛ وهل نحن مستعدون لتقبل فكرة أن التعليم الحقيقي أن تبنى أفكارك وأحلامك وفقًا لقدراتك ورغباتك، لا وفقًا لرغبات أولى الأمر أو ما تعارف عليه الناس من أزمان بعيدة وقد ثبت أنه أوهام تتساقط وتتبدد مع كل عام دراسي جديد وفور نتائج الثانوية العامة حين تنكشف الفجوة بين الحلم والواقع، وتقع الصدمة الكبرى لدى كثير من الحالمين بكليات القمة!!
والسؤال: هل حقق خريجو كليات الطب والهندسة والصيدلة والإعلام، الذين ظنوا يومًا أنهم اعتلوا "القمة"، أحلامهم وصاروا من مشاهير القوم وعليتهم أم خذلهم سوق العمل الذي لا يعترف بالشهادات بقدر ما يعترف بالمهارات.
والسؤال الأهم: هل كليات القمة نهاية المطاف أم بداية المأساة لدى كثيرين يضطر أغلبهم تحت الضغوط إلى الهجة للخارج لاستكمال الحلم، بينما لا تزال عائلاتهم تروي للجيل القادم الحكاية ذاتها… حكاية المجد الورقي ..؟!
ليس الذنب ذنب هؤلاء الشباب، بل ذنب ثقافة تعليمية عقيمة تحوّل التعليم إلى سباق درجات، وتجعل من التنسيق مقياسًا للقدَر، لا للقدرة. ثقافة تُهمّش التعليم الفني، وتزدرى المعاهد التكنولوجية، وتُهدر المواهب في الفنون والرياضة والبرمجة والحرف والصناعات، بدعوى أن من لم يدخل "كلية قمة" قد سقط من التاريخ.
ألم يحن الأوان لإعادة النظر جذريًا في مفهوم النجاح، وفي فلسفة التعليم ذاتها..؟!
إننا نحتاج إلى تعليمٍ يُحرّر لا يُبرمج، يُكتشف فيه الطالب لا يُستنسخ، يُقدَّر فيه التنوع لا يُمَجَّد فيه نمط واحد.
نحتاج إلى أن نُعلّم أبناءنا أن القمة ليست مكانًا واحدًا فوق الجبل، بل قد تكون في معمل صغير، أو مشروع ناشئ، أو فكرة خلاقة، أو مهارة متقنة.
هل تعكس كليات القمة أولويات التنمية في مصر؟ أم أنها إرث من تصورات قديمة؟
لم يعُد لقب "كلية القمة" كافيًا ليصنع النجاح، كما لم يعد الفشل في الوصول إليها نهاية الطريق.
في زمن تتبدل فيه المهن وتتغير فيه القمم، ربما نحتاج إلى أن نُعلّم أبناءنا كيف يكتشفون ذواتهم لا كيف يرضون الآخرين؛ فأجمل الأحلام ليست التي نرثها، بل تلك التي نخلقها بأنفسنا.
القمة، ليست كلية، بل عقل منفتح، وروح حرة، ومجتمع يحترم الإنسان لما يصنعه لا لما كُتب في شهادته.
فمتى نُحرر تعليمنا من أوهام القمة، ونبني مستقبلًا يُصنع بالقيمة والإنجاز لا بالمجموع والشهادات..وما أكثر الشهادات الخادعة؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة