رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

في لحظة مسرحية فارقة، عاد الفنان القدير طارق الدسوقي إلى خشبة المسرح القومي، ليجسد دور "جلوستر" في رائعة شكسبير الخالدة "الملك لير". عودة تحمل في طياتها دلالات فنية وإنسانية عميقة، حيث التقت عراقة المسرح القومي بأحد فرسانه الحقيقيين في عرض يُعيد للمسرح مكانته، ويؤكد أن الفن الراقي لا يموت طالما وجد من يؤمن به ويحمله على كتفيه بإخلاص ووعي.

لطالما تميز طارق الدسوقي بمسيرة فنية نزيهة اختار فيها الصمت أحيانًا على المشاركة في أعمال لا تليق بقيمته أو بقيمة الفن نفسه. فهو فنان آمن دومًا بأن الفن رسالة وليست وسيلة، وأن المسرح بيت الروح، ومدرسة القيم، ومختبر الإنسان. لذا لم تكن عودته حدثًا عاديًا، بل استدعاءً لذاكرة فنية رصينة، ونبشًا في وجدان جمهور لم ينسَ يومًا صدقه ووعيه ورهافة أدائه وايمان بدور الفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص في رقي الوجدان لشعب عريق صاحب حضارة وتاريج .

في دور "جلوستر"، قدّم طارق الدسوقي أداءً استثنائيًا لا يقل أهمية عن الشخصية المحورية للملك لير، بل داعم اساسي من حيث البناء الدرامي والعمق الداخلي. أمام الجمهور، وقف فنان يعرف جيدًا أن المسرح ليس مجرد تمثيل، بل حياة كاملة تُولد من جديد في كل ليلة عرض. كان حضوره طاغيًا، وصوته مشبعًا بالألم والندم، وعيناه – حتى قبل أن تُفقأ على الخشبة – ممتلئتان بالعمى المجازي الذي لا يراه إلا الممثل الواعي بدلالات الشخصية.

جلوستر، في هذه النسخة، لم يكن مجرد شخصية مأساوية تعاني من خيانة الابن وغفلة الأب، بل أصبح رمزًا لإنسان يبحث عن الخلاص بعد السقوط. وهو ما أدركه طارق الدسوقي تمامًا، فبنى الشخصية من الداخل، وسمح لها أن تنمو أمام أعين الجمهور، تمر من السذاجة إلى الندم، ومن الغطرسة إلى التواضع، ومن العمى إلى البصيرة. أداء يعتمد على تفاصيل دقيقة، لا ضجيج فيه ولا مبالغة، فقط صدق صامت يفرض احترامه لفنه الذي عاش من اجله .

مباراة مسرحية علي خشبة المسرح القومي تألق فيها نخبة من نجوم الفن والمسرح القومي وقفوا جميعا إلى جوار قامة فنية بحجم يحيى الفخراني، الذي يجسد "الملك لير" للمرة الثالثة، لم يكن بالأمر الهيّن، ولكن طارق الدسوقي لم يحاول أن ينافس، بل قدّم دورًا موازيًا بحس فني راقٍ جعل العلاقة بين "لير" و"جلوستر" أكثر تماسًا وتأثيرًا من أي عرض سابق. كان التوازي بين الشخصيتين أحد مفاتيح نجاح هذا العمل، فكل منهما أب وقع في فخ الثقة الخاطئة، وكل منهما دفع ثمن العمى في التقدير، وكل منهما عرف التنوير متأخرًا. وقد استطاع المخرج شادي سرور أن يلتقط هذه الخيوط ببراعة، ويوظفها في رؤية إخراجية عززت من حضور طارق الدسوقي على الخشبة.

ما يميز أداء الدسوقي في هذا العرض ليس فقط تمكنه من أدواته كممثل مسرحي محترف، بل قدرته على إدخال الجمهور في عمق الألم الإنساني الذي تعانيه شخصية جلوستر. كان المشهد الذي تُفقأ فيه عيناه لحظة نادرة، تخلّت فيها القاعة عن أنفاسها، وتماهى الجميع مع صراخه، ليس فقط كأبٍ فقد بصره، بل كإنسان فقد بوصلته. لحظة مسرحية صادقة لا تُصنع، بل تُولد من الصدق الخالص والموهبة الأصيلة.

على مدار أكثر من أربعين عملًا مسرحيًا والعديد من الاعمال الدرامية والسينمائية والندوات واللقاءات ، لم يخذل طارق الدسوقي جمهوره يومًا، ولم يساوم على فنه، ولم يتورط في أعمال تسيء لتاريخه أو ذاته. وانتماؤه لهذا الصرح، المسرح القومي، لم يكن مجرد محطة عابرة، بل خيارًا وجوديًا، وها هو يعود اليوم ليؤكد أنه ما زال قادرًا على إبهارنا، ليس بالضوء الصاخب، بل بالبصيرة التي لا يراها إلا القلوب.

إن وجود فنان بحجم طارق الدسوقي في هذا العرض هو مكسب كبير للمسرح المصري، بل وللثقافة المصرية عمومًا. فهو ليس مجرد ممثل يؤدي دورًا مكتوبًا، بل حامل لرسالة الفن الأصيل، القادر على إحياء النصوص الكلاسيكية وجعلها نابضة بالحياة في وجدان المشاهد المعاصر. "الملك لير" ليست فقط قصة عن الجنون والخيانة والسلطة، بل عن فقدان الإنسان لنفسه، واستعادتها من خلال الألم. وقد استطاع طارق الدسوقي أن يجعل من هذه الرحلة الروحية تجربة مسرحية متكاملة.

اخيرا

إن عودة طارق الدسوقي إلى المسرح القومي في هذا التوقيت، وفي هذا العمل تحديدًا، هي علامة فارقة في المشهد الثقافي المصري. فهي لا تعني فقط عودة نجم، بل تأكيدًا على أن المسرح لا يزال قادرًا على أن يكون منبرًا للفكر والجمال، طالما وُجد من يؤمن به، ويمنحه من قلبه وروحه، كما فعل طارق الدسوقي في "الملك لير" جلوستر في ثوبه المصري.. كان وراء الفنان طارق الدسوقي لكي يتألق على المسرح القومي.

الصديق العزيز الفنان القدير طارق الدسوقي معروف بالتزامه بالفن الهادف، حيث يختار أدواره بعناية شديدة، رافضًا الأعمال السطحية أو المبتذلة ، في لقاءاته، دائما يؤكد "الجانب المادي ليس كل شيء"، مشيرًا إلى أن رصيده في البنوك "صفر" لكن رصيده الفني كبير ويحترم ، لأن الأولوية بالنسبة له هي تقديم محتوى يحترم الجمهور ويعزز الوعي. هذا المبدأ جعله يبتعد عن الفن سنوات كثيرة ، حيث ركز على أنشطة أكاديمية كأستاذ للدراسات العليا بجامعة القاهرة، وشارك في محاضرات بمعهد إعداد القادة، معبرًا عن استيائه من "تدمير جيل كامل" بسبب غياب الفرص للفنانين المخلصين .

مصطفي البلك

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة