لا تفهمونا غلط..
يُعد عرض مسرحية "الملك لير" على خشبة المسرح القومي حدثًا فنيًا وثقافيًا فارقًا، ليس فقط لكونه يقدم واحدة من أعظم كلاسيكيات الأدب العالمي للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، بل لأنه يُمثل إعلانًا صريحًا عن عودة المسرح القومي إلى موقعه الطبيعي في قلب المشهد الثقافي المصري والعربي. هذا العرض، بتوقيته ودلالاته، يؤكد أن المسرح القومي لم يعد متفرجًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، بل قرر أن يكون منبرا ثقافيا مشاركًا في تشكيل الوعي الجمعي من خلال أعمال تحمل عمقًا فكريًا وإنسانيًا وجماليًا.
لقد جاء هذا العرض ضمن رؤية استراتيجية يتبناها الدكتور أيمن الشيوي، مدير المسرح القومي، تهدف إلى استعادة أمجاد هذا الصرح العريق الذي لطالما كان منارة للإبداع المسرحي والتنوير الثقافي. واعتبره عودة قوية لهذا المسرح العريق ، وان كنت يوما اعترضت علي تقديم عروض مسرحية علي خشبته كانت دون المستوي ، ولهذا لم يكن اختيار "الملك لير" لاعادة عرضه مرة اخري محض مصادفة، بل نابع من إدراك عميق لما يحمله النص من أبعاد إنسانية عميقة تتناول طبيعة العلاقات بين البشر، وصراعات النفس، وتقلبات المصيروالسلطة . فالمسرحية تطرح تساؤلات وجودية تتعلق بالحب والوفاء والغدر والوحدة، وهي موضوعات تتجاوز الزمان والمكان، ما يجعل إعادة تقديمها اليوم فرصة لإعادة تأمل النفس البشرية من خلال رؤية فنية متجددة. وفي صالة المسرح القومي، حيث يتقاطع التاريخ بالفن، وقف النجم الكبير يحيى الفخراني مجسدًا شخصية الملك لير، بكل ما تحمله من تعقيد وتراجيديا. أداؤه المتقن، والذي اتسم بالعمق والصدق، جعل الجمهور يعيش انكسارات الملك، وعزلته، وصراعاته الداخلية والخارجية. ومعه تألقت كوكبة من الفنانين، من بينهم الصديق العزيز الفنان القدير النجم طارق دسوقي، الذين أسهموا في تقديم عرض جماعي متكامل عكس نضج التجربة المسرحية، وحرفية الإخراج، ودقة التناول البصري للنص.
ما يميز هذا العرض أيضًا هو الدمج الذكي بين العمق الدرامي للنص والإبهار البصري على مستوى الإضاءة والديكور والملابس، وهو ما يعكس فلسفة المخرج شادي سرور ، خاصة وهذه ليست المرة الأولى التى يقدم فيها الفنان الكبير «الملك لير»، فقد سبق أن قدم النسخة الأولى من المسرحية على المسرح القومى، فى أوائل الألفينات، مع المخرج الراحل أحمد عبدالحليم، ثم عاد ليقدم النسخة الثانية على المسرح الخاص، فى عام ٢٠١٩، مع المخرج تامر كرم ، بهدف إعادة تعريف العلاقة بين الشكل والمضمون في العروض المسرحية. لم يكن الهدف مجرد استعراض جماليات شكلية، بل تسخيرها لخدمة الرسالة الفكرية، وهو ما تحقق بشكل واضح في "الملك لير"، الذي خرج للجمهور في صورة مبهرة، دون أن يفقد جوهره أو أصالته.
ومن اللافت أن المسرح القومي، رغم تحديات المرحلة، عاد ليصبح كامل العدد يوميًا، وهو ما يبرهن على أن الجمهور المصري لا يزال متعطشًا للفن الجاد، ويبحث عن مسرح يحمل رسالة ويقدم المتعة والتفكير معًا. إن الإقبال الكثيف على هذا العرض ليس مجرد نجاح جماهيري، بل مؤشر على عودة الثقة في هذا الصرح العريق، الذي تأسس عام 1869 بأمر من الخديوي إسماعيل، وكان منذ نشأته نقطة التقاء بين الإبداع المحلي والذائقة العالمية.
المسرح القومي، عبر تاريخه الطويل، لعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي أجيال متتابعة. قدم أعمالًا لكبار الأدباء والمفكرين، سواء من التراث المصري مثل توفيق الحكيم، أو من الأدب العالمي مثل ألبير كامو وكاسونا وبيكيت. ووقف على خشبته فنانين كبار، مثل سميحة أيوب، وعبد الرحمن أبو زهرة، وكرم مطاوع، وسعد أردش، ليصنعوا علامات فارقة في تاريخ المسرح العربي. هذا التاريخ لم يُنسَ، بل شكّل مسؤولية ثقيلة على عاتق كل من يسعى لإعادة المسرح القومي إلى صدارته، وهي المسؤولية التي يحملها اليوم الدكتور أيمن الشيوي وفريقه بكل وعي واقتدار.
اللافت في تجربة "الملك لير" وعرضه علي المسرح القومي أنها جاءت أيضًا بالنسبة لي في سياق مقارنات مع تجارب عالمية ناجحة، تم تقديمها علي مسارح مشهورة، لها ثقل تاريخي وحضاري ارتبط الفن الراقي بها مثل مسرح البولشوي في موسكو، وقصر غارنييه للأوبرا في باريس، ومسارح إلجين ووينتر جاردن في كندا، ومسرح الأولمبيا في باريس، مسرح كولون (الأرجنتين) ، قاعة ألبرت الملكية (بريطانيا) ، المركز الوطني للفنون المسرحية (الصين) بالإضافة إلى دار الأوبرا المصرية صاحبة التاريخ العريق ، وسبق ان شاهدت عرضا مسرحيا صينيا وطنيا قدم علي مسرح مدينة لان جو الصينية ببكين وهو ايضا يعد مسرحا عالميا ، وكان عرضًا ضخمًا يحكي قصة مبادرة "الحزام والطريق" ويسوق لها عن طريق المسرح خاصة وان هذا العرض المسرحي كان مقررا له ان يجوب مسارح العالم ، العرض الصيني كان مبهرا باستخدام التكنولوجيا الحديثة ومشاركة مئات الممثلين، واليوم علي ارض مصر يُقدّم المسرح القومي عرضًا لا يقل في قيمته الفنية والبصرية، لكنه يتميز عنه بالتجذر في الواقع الثقافي المصري، وبالقدرة على تقديم رؤية مصرية خالصة لنص عالمي، دون أن تفقده عالميته. هذه القدرة على التوطين الثقافي للنصوص الكبرى هي ما يعطي المسرح القومي تفرده، ويجعله لاعبًا مهمًا في الساحة المسرحية العربية والدولية.
وتأتي هذه العودة القوية مدعومة برؤية ثقافية أوسع تتبناها وزارة الثقافة، بقيادة الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة ، الذي يدرك أهمية دعم المؤسسات الثقافية العريقة، وعلى رأسها المسرح القومي، كجزء من استراتيجية وطنية تهدف إلى تحصين المجتمع بالوعي، ومواجهة التحديات الفكرية بقوة الثقافة والفن. ولهذا فإن "الملك لير" لا يُمثل فقط عودة لنص عظيم، بل تجسيدًا لتحالف بين الإرادة الفنية والإرادة السياسية لدعم الوعي الجمعي عبر المسرح.
ولا يمكن الحديث عن العرض دون التوقف عند الأداء الفريد ليحيى الفخراني، الذي يثبت مرة أخرى أنه واحد من القلائل القادرين على نقل الشخصية من الورق إلى الحياة. لقد جسد لير بكل تناقضاته وضعفه وجبروته، حتى بدا كأنه ينزف أمام الجمهور لا كلمات، بل مشاعر وندوبًا. وهو أداء لا يقل أهمية عن أدواره السابقة، وربما يزيد عليها بما يحمله من نضج وتجربة إنسانية.
أما على مستوى الرؤية الإخراجية لللمخرج شادي سرور ، فقد جاء العرض ليؤكد أن المسرح القومي قادر على تقديم عروض تضاهي نظيراتها في كبرى العواصم الثقافية. استخدام الإضاءة لتحريك الزمن والمشاعر، واختيار موسيقى درامية تعزز من تصاعد الأحداث، وتناغم الكتل المسرحية على الخشبة، كلها عناصر أظهرت عمق الاشتغال الفني، وساهمت في خلق تجربة بصرية ووجدانية مكتملة.
لقد أثبت عرض "الملك لير" أن المسرح لا يزال أداة حية لتشكيل الوعي، وأنه قادر على الجمع بين المتعة الفكرية والجمال البصري. بل وأكثر من ذلك، أصبح العرض بمثابة مرآة نرى فيها أنفسنا، ونتأمل من خلالها هشاشة السلطة، وخطورة الجحود، وقيمة الرحمة، والعدالة، والحكمة المتأخرة. كل تلك القيم التي لا تنتمي فقط إلى زمن شكسبير، بل إلى كل زمن.
إن عرض "الملك لير" يجب ألا يُنظر إليه كحدث معزول، بل كحجر زاوية في مشروع أوسع لإحياء دور المسرح القومي كمؤسسة ثقافية وتنويرية. مشروع يسعى إلى تقديم أعمال أخرى بنفس المستوى من الجودة والطموح، ويهدف إلى إعادة ربط الجمهور بالمسرح، ليس كوسيلة للترفيه فقط، بل كمنبر للفكر الحر والنقاش المجتمعي العميق.
وإذا كان المسرح القومي قد شهد مراحل من التراجع خلال العقود الأخيرة، فإن عودته بهذا الزخم، وبهذا التفاعل الجماهيري، تعني أن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، إذا ما استمر الدعم، وتواصل الإنتاج النوعي، واحتُضن الفنانون الذين يملكون الرؤية والشغف.
أخيرًا
يبقى الأمل أن تتواصل هذه الصحوة المسرحية، وأن يحظى المسرح القومي بكل ما يستحقه من دعم ومساندة، لأنه ليس مجرد خشبة، بل مؤسسة تنتج الوعي، وتشكل الذوق العام، وتفتح آفاق التفكير. ومع وجود قيادة مثقفة مثل الدكتور أيمن الشيوي، وفنانين عظماء مثل يحيى الفخراني، فإن المسرح القومي مؤهل لأن يستعيد مكانته كمركز إشعاع ثقافي، يليق بتاريخ مصر وهويتها الحضارية. وبالفعل حين يستعيد المسرح القومي هيبته ويكفيني عند وجودي داخل جدران هذا المسرح العريق ان اشعر بعبق الثقافة والفن والتاريخ والحضارة علي ارض مصر ... فحين يستعيد المسرح القومي هيبته يتكلم "الملك لير" ومن قبله هاملت مصريًا.
مصطفي البلك
2