شهدت القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية حادثًا بالغ الخطورة تمثل في نشوب حريق ضخم بمبنى سنترال رمسيس، أحد أهم المراكز السيادية للبنية التحتية في قطاع الاتصالات. ومن منطلق التخصص الأكاديمي في علم الحريق، فإن هذا الحادث يفتح الباب واسعًا أمام مناقشة علمية دقيقة لمسبباته وآلياته وأوجه القصور المحتملة في منظومة الوقاية والسلامة داخل منشآت الاتصالات.
أول ما يلفت الانتباه في هذا النوع من الحرائق هو بيئة الاشتعال؛ فمراكز الاتصالات تحتوي على تركيبات كهربائية شديدة الكثافة، ودوائر إلكترونية ذات حساسية عالية، تُغذّى بتيارات كهربائية متواصلة وعلى مدار الساعة، فضلًا عن وجود مواد عازلة وموصلة قد تتحول إلى وقود سريع في حال انهيار منظومة التبريد أو التهوية أو عطب أحد الكابلات.
تشير المعطيات الأولية إلى أن ماسًا كهربائيًا نشب داخل غرفة المعدات بالطابق السابع، وهي منطقة تُعد من أكثر البيئات خطورة، نظرًا لاجتماع كابلات الطاقة وخطوط الألياف الضوئية وتوصيلات الشبكات الرئيسية فيها. وتشابك الكابلات داخل المواسير، دون وجود فواصل حامية أو قنوات توزيع محمية ضد الحريق، أدى إلى تصاعد اللهب سريعًا دون قدرة على عزل موقع الاشتعال.
وقد سُجلت حالات وفاة نتيجة الاختناق بالدخان الكثيف، ما يدل على خلل في منظومة الاستشعار والإنذار المبكر داخل المبنى، وهو ما يستدعي وقفة حازمة لإعادة تقييم البنية الوقائية في تلك المنشآت. فوفقًا للمعايير الدولية في هذا المجال (مثل NFPA وBSI)، لا بد من تزويد كل غرفة معدات إلكترونية بنظام إطفاء تلقائي قائم على الغازات الخاملة أو ثاني أكسيد الكربون، بدلًا من الاعتماد على أساليب الإطفاء التقليدية بالمياه، التي قد تُضاعف من حجم الكارثة حال تفاعلها مع المكونات الكهربائية.
كما أن الفشل في احتواء الحريق في دقائقه الأولى يشير إلى غياب التدريب الكافي للعاملين على إجراءات التعامل مع الحريق، وهو أمر يتكرر في عدد من المنشآت الحيوية رغم التحذيرات الأكاديمية المستمرة. هنا، يُطرح تساؤل جوهري: هل تُجرى اختبارات حقيقية لنظم الإنذار والإطفاء بشكل دوري؟ وهل هناك تقييم دوري للمخاطر وفقًا لمبدأ "تحليل احتمالية الاشتعال ونتائجه" (FMEA)؟
من جانب آخر، فإن توقف خدمات الاتصالات والدفع الإلكتروني والبنوك نتيجة الحريق يكشف هشاشة منظومة الاعتمادية redundancy، حيث يُفترض أن تكون هناك شبكات بديلة تعمل أوتوماتيكيًا في حالة تعطل السنترال الرئيسي. وهو ما يدعو لمراجعة البنية التحتية الرقمية من منظور أمني ووقائي في آن واحد.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الحيوي الذي يلعبه التصميم المعماري والهندسي في الوقاية من الكوارث، فمبنى سنترال رمسيس قديم نسبيًا، وربما لم يُحدَّث ليتماشى مع المعايير الحديثة في مقاومة الحريق. ويجب أن تُفرض على المنشآت ذات الطابع التكنولوجي أنظمة تقسيم ذكي (Compartmentalization) تُعزل فيها غرف التشغيل الحساسة بجدران مقاومة للحريق لمدة لا تقل عن ساعتين وفقًا للمعايير العالمية، مع ضمان وجود مخارج طوارئ مناسبة.
إن مسؤولية الوقاية لا تقع على قطاع الإطفاء وحده، بل تبدأ من مكتب التصميم الهندسي والمواصفات وتنتهي بمشغلي الموقع. فالهندسة هي أول خطوط الدفاع في علم الحريق.
ولا تقتصر أضرار الحريق على الخسائر البشرية والمادية فقط، بل تمتد إلى التأثيرات البيئية الخطيرة. فالاحتراق في بيئة تحتوي على كابلات مغطاة بالبلاستيك والمطاط يفرز مركبات سامة مثل الديوكسينات والفورمالدهيد، وهي ملوثات قد تؤثر سلبًا على صحة السكان القريبين والعاملين في الإطفاء. وهنا تبرز أهمية أنظمة سحب الدخان والتهوية المعاكسة (Backdraft Ventilation) التي لا تزال غائبة عن كثير من المباني الخدمية في مصر.
وإن التدريبات النظرية لم تعد كافية في منشآت معقدة كالمراكز السيادية، بل يجب أن تُطبق المحاكاة الافتراضية للحريق باستخدام برمجيات متقدمة، تُظهر سيناريوهات تمدد النيران، وسرعة الانتشار، ومسارات الإخلاء، بما يُمكّن فرق الأمن والسلامة من التصرف بكفاءة تحت الضغط.
ولدينا في الجامعات المصرية كوادر علمية قادرة على تطوير نماذج محاكاة محلية قليلة التكلفة، فقط إذا أُتيحت لها الفرصة والدعم من الوزارات والهيئات المعنية.
وختامًا، فإن الحادث المؤسف يجب ألا يُنظر إليه كواقعة عابرة، بل كمؤشر خطر يستلزم تحركًا تشريعيًا وتنفيذيًا سريعًا لإعادة هيكلة سياسات الأمن الصناعي والحريق، خاصة في المنشآت السيادية والمرافق الاستراتيجية، عبر إدخال تقنيات التحليل المبكر للمخاطر وتدريب الكوادر البشرية ورفع كفاءة نظم الاستشعار والإطفاء الآلي.
لقد آن الأوان لإدراك أن مواجهة الحريق لا تبدأ بإرسال سيارات الإطفاء، بل تبدأ من لحظة تصميم المبنى، وتمر بخطة وقائية واضحة المعالم، وتنتهي عند نقطة التفاعل الواعي والمنهجي وقت الخطر.
إن الحريق، وإن بدا ناتجًا عن شرارة، إلا أنه في الحقيقة يشتعل أولًا في فجوات التخطيط، وثغرات الإهمال، وثقافة "رد الفعل" التي لا تزال تحكم تعاملنا مع الكوارث. ومن هنا، يجب أن يتحول هذا الحادث إلى نقطة تحول في صياغة سياسات الحماية المدنية، لا مجرد صفحة في أرشيف الحوادث.
د. حاتم صادق
أستاذ مادة الحريق – جامعة حلوان