رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل



تفصلنا ساعات معدودات عن 30 يونيو التي أعطت لهذا الشهر قيمة وطنية غير تلك التي اعتدنا عليها منذ عقود، فقد شهد ذلك اليوم من عام 2013 ذكرى مجيدة؛ وهى ثورة 30 يونيو ، ثورة الشعب وإرادة الوطن التي انحازت إليها القوات المسلحة والشرطة حتى استأصلت آفة كبيرة كانت ستلتهم الأخضر واليابس لو تمكنت أكثر من مفاصل الدولة، تلك الثورة أطاحت بجماعة الإخوان بعد عام واحد بائس في حكم مصر؛ لم تكتف الجماعة خلاله بسياسة التكويش على كل المناصب بل عمدت إلى إقصاء كل فصيل لا ينتمي لفكرها وأيديولوجيتها، والأدهى والأمرّ أنها لا تعترف بالأوطان ولا بحدودها وترابها؛ إذ تراها حفنة عفنة من تراب، وترى من يخالفها الرأي والفكر خصمًا أو عدواً حتى ولو كان من بني جلدتها.
ولم يكن الإقصاء والتكويش هما آفة لإخوان الوحيدة بل ظهرت رغبة الجماعة في تصفية الحساب مع كل مختلف معهم حتى ولو كان من التيار ذاته.. وقد ذقت أنا شخصيًّا، مثل كثيرين غيري، مرارة التعنت والتنكيل والاتهامات الباطلة بغير دليل حتى أنني وجدت نفسى مضطرًا للمثول أمام جهاز الكسب غير المشروع تارة، ونيابة الأموال العامة والمحكمة تارة أخرى لا لشيء إلا لأني كنت رئيساً لمجلس دار التحرير للطبع والنشر (الجمهورية) في أخريات حكم مبارك، وكانت هذه الصفة وحدها تكفي في نظر الإخوان لاستهدافي ببلاغات تأكدت كيديتها ببراءتي من كل ادعاء بحكم المحكمة.
وكم كانت نلك الأيام مؤلمة، فقد عشت خلالها تجربة مريرة واستهدافًا وتعنتاً من "الإخوان" الذين أرادوا الكيد والتنكيل بنظام مبارك وكل من عمل معه، وما إن تم قبول استقالتي حتى طاردني الإخوان ضمن قيادات صحفية أخرى ضمت نحو 600 صحفي وقيادة صحفية، بسيل من البلاغات الكيدية لجهاز الكسب غير المشروع رغبةً منهم في تصفية الحسابات مع كل القيادات الصحفية التي عملت في عهد مبارك..!!
ولا أنسى يوم جرى استدعائي لجهاز الكسب غير المشروع ولم يجد رئيسه (الإخواني)، رغم محاولاته، أي شبهة تستوجب التحقيق معي من الأساس، فضلاً على احتجازي..يومها قال بملء فيه: "إحنا عندنا يا الدفع يا الحبس"، فقلت له: سيادة المستشار: ما التهمة التي تحقق فيها معي..هل تعاقبني لأنني جلبت موارد للمؤسسة من الإعلانات وحتى لو تحصلت منها على مكافأة..هل هناك نصٌ قانوني يجرِّم ذلك..وهل هناك مؤسسة صحفية اليوم في ظل ظروفها الطاحنة لا ترجو صحفييها الحصول على إعلانات تسهم في إبقاء تلك المؤسسات على قيد الحياة؟!
وليت الأمر وقف عند التحقيق معي بل إنني فوجئت يومها بقرار من النائب العام (الإخواني) أيضًا بالحجز على أموالى وأموال أسرتي بالبنك دون أي ذنب ووفقًا للقانون صدقت المحكمة المختصة على ذلك القرار رغم أنني لم أعرض عليها أصلاً..!!
ولم أفقد الأمل، فقد تقدمت بالتماس قانوني جرى النظر فيه بعد 6 أشهر وقدمت ما يثبت براءتي من كل الادعاءات وأنني لم أتقاض من المؤسسة مليماً لا أستحقه، وأن ما أملكه هو نتاج لشغلي وتأليفي عددًا من الكتب وبالفعل حكمت المحكمة لصالحي وقد تمت تبرئتي تمامًا من جهاز الكسب غير المشروع ونيابة الأموال العامة بعد قرار المحكمة.
والسؤال: ماذا كسب الإخوان من جرجرة القيادات الصحفية للمحاكم ..وإذا لم يكن ذلك بدافع الانتقام وتصفية الحسابات فماذا كان الدافع والغاية من اتهام الأبرياء ومحاولة تلويث السمعة لكل من ارتبط بعصر مبارك..؟!
ومن بطن المحن تولد المنح، وقد جاءت عدالة الله الذي لا يرضى بالظلم وهو الحكم العدل الذي أحصى كل شيء عدداً وأحاط بكل شيء علماً..وانتصر لدعوة المظلوم التي قال لها.."وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"..فقد ينساك القريب..ويهجرك الصديق..ويجحد فضلك من أسديت إليه المعروف..وقد تقسو عليك الدنيا..لكن رحمة ربك وحدها تحتضنك دوماً في الشدة..وتملأ قلبك بالطمأنينة والسكينة وتغمرك بالأمل والتفاؤل وتضيء لك ظلمات الطريق الذي أطفأه ظلم العباد بعضهم لبعض ..فما أجمل أن ترعاك عناية الله وتمتد إليه لتدفع عنك كيد الخصوم وشماتة اللئام وأذى الأشرار لتقول لك: اطمئن إن عدل الله موجود لا يغيب لحظة عن الوجود..سبحانه مالك الكون، مدبر الأمر يقول لعباده" ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم" (فاطر:2).
ما عشته أنا وغيري من القيادات الصحفية في تلك الأيام جزء من تاريخ الصحافة وربما السياسة، فرغم أنني بادرت طوعاً بتقديم استقالتي بعد ثورة يناير 2011 وأصررت عليها في حين رفض غيري من القيادات الصحفية ترك موقعه، ولا أنسى يوم أن جاءني مديرعام مؤسسة دار التحرير وقتها الزميل يسري الصاوي (وهو حي يرزق) وقال لي : ليه تستقيل يافندم وإحنا عندنا ما يكفينا لمدة 6 أشهر أجور ومرتبات من عوائد الإعلانات وغيرها..فما كان مني إلا أن قلت له: الاستقالة هنا واجبة ..فكيف يطلب الميدان تغيير القيادات الصحفية والإعلامية بينما نصر نحن على البقاء في مناصبنا وتحدى إرادة الناس ..؟!
وكم كانت تلك الأيام كاشفة لأشياء كثيرة لا تُنسى، فلم تكن استقالتي هرباً من المسئولية كما ظنَّ البعض، ولا تراجعًا عن المواجهة بل كانت قراءة استباقية لمشهد ملتبس ومضطرب لم يكن لأحد أن يتنبأ بمساراته، فضلاً عن عواقبه ونهاياته؛ فالانفلات قد ضرب كل شيء، والفوضى زحفت إلى كل مكان والركود قد ظهرت إرهاصاته ولم يكن من الحصافة التجديف ضد تيار جارف لا تعرف اتجاهات بوصلته ولا متى يهدأ ويكف عن الفوران..!!
والحق أننى لم أكتف وقتها بتقديم استقالتي، بل أعلنت موقفي صراحةً حين لاحت الفرصة في اجتماع حاشد دعا إليه رئيس الوزراء الأسبق الفريق أحمد شفيق وضم كل القيادات الصحفية والإعلامية وقتها..ويومها قلت بوضوح إن الشارع يطالب بالتغيير، وإبعاد من لهم صلة مباشرة بنظام مبارك..فكيف نستمر في مواقعنا ضد هذه الإرادة..هذا عصر جديد ينبغي أن تعبر عنه أصوات مختلفة بمفردات وآراء وطموحات وأحلام جديدة..هكذا يقول منطق الأمور وتقتضي طبيعة الأشياء.. ووقتها طلب منا د.يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء والمسئول عن ملف الصحافة في وجود رئيس الوزراء ترشيح من يخلفنا في قيادة المؤسسات الصحفية..وقلت إنني بدوري أطالب الجميع بأن يحذوا حذوي بتقديم استقالتهم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي كان يدير البلاد....لكن رد فعل القيادات الصحفية جاء مخيباً لهذا الرجاء؛ إذ تمسكوا بالبقاء في مواقعهم، باستثناء الزميل الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب رئيس مجلس إدارة دار الهلال الذي وافقني الرأي واتخذ القرار ذاته في التوقيت نفسه..ويومها تساءل د.عبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام حينئذٍ: كيف نستقيل..؟! فرد عليه الفريق شفيق: سهلة تتقدم بطلب استقالة (!!)..لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حينها وبقيت الأوضاع على حالها حتى تمت الإقالة الجماعية للقيادات الصحفية بعد شهرين من هذا الاجتماع.
إن تقديمى لاستقالتي في تلك الأيام لم يمنعنى من دعم مؤسستي بل بذلت كل ما أستطيع من جهد لدعمها، حتى إنني اتصلت وقتها برؤساء المؤسسات الصحفية، وأكثرهم أحياء يرزقون، وقلت لهم: لقد طلبت أنا والزميل عبد القادر شعيب اجتماعًا مع وزير المالية للحصول على دعم للمؤسسات الصحفية القومية من صندوق الطواريء الذي خصصته الحكومة لمساعدة مؤسسات الدولة في هذه الظروف الصعبة، وبالفعل استجابت وزارة المالية لطلبنا وبادرت أثناء الاجتماع بإيداع فوري لمبالغ الدعم في حساب المؤسسات القومية في البنوك، وتفاوتت مبالغ الدعم من مؤسسة لأخرى؛ فبينما حيث حصلت دار التحرير على 10 ملايين جنيه ومثلها لمؤسسة الأخبار.. فقد حصلت الأهرام على 15 مليوناً بينما نالت كل مؤسسة من المؤسسات القومية الأخرى 5 ملايين جنيه.
لم يفت في عضدي سهام النقد والافتراء والظلم التي طالتني قبيل ترك رئاسة مجلس إدارة دار التحرير، فالبعض ادعى أنني هربت من الميدان بتقديم الاستقالة..لكنني كنت راضيًا تماماً بما أفعل؛ فالمزاج العام للشارع كان يؤيد هذه الاستقالة ليس رفضًا لشخصي بل لكل من ارتبط بحكم مبارك ..والدليل أن إقالة جماعية أطاحت بكل القيادات الصحفية بعد شهرين اثنين من تقديم استقالتي، وهو ما لم تستوعبه تلك القيادات وقتها ظناً منهم أنهم قد يستمرون مع الأوضاع الجديدة رغم المطالبات المستمرة بضخ دماء جديدة تعبر عن المرحلة الجديدة بكل ما فيها.
يا ابن اعمل ما شئت كما تدين تدان.
هذه مشاهد لا تنسى في حياتي..ولا في حياة هذا الوطن الذي يستحق منا أفضل من ذلك، يستحق أن نعمل ونتعب لأجل رفعته في ظل مخاض صعب تعيشه تلك المنطقة البائسة من العالم، ولن يفلت منها إلا من يعتصم بوحدة جبهته الداخلية، وإعلاء قيمة العلم والأخذ بأسباب القوة في زمن لا يعترف بالضعفاء.
حفظ الله مصر ورفع قدرها بين الأمم.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة