حقق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ما كان يطمح إليه من دخول الحرب مع إسرائيل ضد إيران، وحصل على لقطته المفضلة بإعلان وقف إطلاق النار بين الجانين واسدال ستار الحرب ولو مؤقتا، كما فعلها سابقا بين باكستان والهند قبل أسابيع.
قبل الهدنة ب 72ساعة قصف ترامب المنشآت النووية الإيرانية يوم السبت الماضي في أكبر عملية عسكرية أمريكية مباشرة وعلنية ضد إيران منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في عام 1979. عملية "مطرقة منتصف الليل"، لم تكن للبنتاغون. بل كانت عملية ترامب نفسه، الذي اختار الخطة وموعد التنفيذ. ليس هذا فحسب فهو أيضا من أعلن بعد دقائق من تنفيذها عن نجاح "مذهل وغير مسبوق" للهجوم الذي أفقد "إيران برنامجها النووي"، حتى قبل أن تتأكد المصادر العسكرية الامريكية والإسرائيلية من نتائجه، وكأنه يريد أن يتخلص سريعا من تبعيات الضربة ويؤكد لطهران أنه لا ينوي تنفيذ أي هجمات جديدة، ويفتح الطريق امام المفاوضات السياسية والدبلوماسية.. لذا من المفيد التمييز بين هجوم لمرة واحدة على المنشآت النووية، وهو ما فعلته واشنطن، والمشاركة الكاملة في الحرب، وهو ما تتجنبه.
بالنسبة لترامب، فإنه طرح نموذجا جديدا للتعامل مع الأزمات من خلال ضربة عسكرية خاطفه وحاسمة ومحدودة يحصل بعده على مبتغاه، وينطبق عليها مقولة يوليوس قيصر في حروبه السريعة، التي كان يقول في نهايتها: جئت، حاربت، وانتصرت. او هكذا تمني الرجل الذي فعل ما أقسم أنه لن يفعله وهو: إشراك الولايات المتحدة في حرب في الشرق الأوسط. حتى ان الإدارة الامريكية تجنبت تسمية هذه العملية ب "الحرب" على الإطلاق، على الرغم من أن هذا ما أسماه ترامب نفسه الليلة. لذلك هو يريد أن يرى إيران تأتي إلى طاولة السلام. ويأمل أن يحدث ذلك سريعا وقبل فوات الآوان. خاصة أن الضربات الإسرائيلية والآن الامريكية لم تحقق ما تمنوه من اسقاط أو تغيير النظام الإيراني لنهجه الثوري والتدخل في شئون دول الجوار.
وفي إيران بقي هناك أمل في إحداث تغيير في السلوك من خلال التفاوض والدبلوماسية، وكانت الإشارة عندما المح مسؤولون إيرانيون انهم يفكرون في إقالة آية الله خامنئي من منصب المرشد الأعلى. ويعيب هذا الخيار أنه قد لا تكون نتائجه مضمونة مع نظام يؤمن ب"التقية" السياسية.
إذا كان هدف إسرائيل المعلن هو إحداث تغيير للنظام في إيران، فيجب ان يستفيد سياسيوها ودبلوماسيوها وقادتها العسكريون من فهم أعمق للانقلابات السابقة المدعومة من الخارج - وعواقبها طويلة الأجل. وقبل حوالي 72 عاما، في أعقاب أزمة بين شركة النفط الأنجلو-إيرانية – وهي تكتل بريطاني قوي – وقرار الحكومة الإيرانية بتأميم صناعة النفط في البلاد، قامت وكالة المخابرات المركزية بدعم بريطاني بتدبير انقلاب أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا، محمد مصدق. وبدلا منه، تم تنصيب الجنرال فضل الله زاهدي رئيسا لحكومة عسكرية، مما مهد الطريق لعودة الشاه محمد رضا بهلوي. نجح ذلك في تأمين السيطرة الغربية على النفط الإيراني على مدى السنوات ال 26 التالية، لكنه زرع أيضا بذور عقيدة إيران المعادية للغرب. وأثار ذلك الاستياء المتزايد من التدخل الأمريكي في الشؤون الإيرانية، وبلغ ذروته في الثورة الإسلامية عام 1979.
هذا التاريخ يجعلهم أكثر عرضة للرد بعنف على أي محاولة لازاحتهم، خاصة إذا شعروا أنه لم يتبق لديهم ما يخسروه. التجارب التاريخية معروفة ومؤلمة، لقد أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات وفقدت آلاف الأرواح في طرد طالبان من أفغانستان، التي استعادت مجددا حكم البلاد بعد عقدين من الزمن. في العراق، أدت الإطاحة بصدام حسين إلى صعود داعش، مما أجبر في النهاية على تجدد التدخل العسكري الغربي. حتى الإطاحة بمعمر القذافي المدعومة من الناتو في ليبيا تحولت إلى حرب أهلية مستمرة وانهارت الدولة.
الآن ماذا بعد اعلان اتفاق وقف إطلاق النار؟
هدف طهران كان الحفاظ على قدرتها على التخصيب. يبدو أن بعض هذه القدرات، أو كلها، قد تضررت بشدة بسبب الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وسيستغرق الأمر بعض الوقت لمعرفة حجم الضرر بالبرنامج النووي الإيراني وما إذا كان قد عطل أو أنهي كليا قدرتها على انتاج السلاح النووي. وفعليا لم تنسحب طهران من مائدة التفاوض، وهي تجري حاليا محادثات مع القوى الأوروبية وتركيا بشأن خطواتها المقبلة. سيرغب النظام الإيراني في الخروج من هذا إنقاذ بعض ماء الوجه. ومع ذلك، فقد تم إذلالها بالفعل. لقد فقدت دفاعاتها الجوية وتركت عرضة للهجمات من كل الأنواع وعلى كافة المستويات.
والخيارات المستقبلية لإيران ليست سهلة. إذا دخلت المفاوضات وقبلت صفقة الآن ، فسيتعين عليها تبرير سبب عدم قبولها صفقة قبل عدة أسابيع من شأنها أن تحافظ على الكثير من برنامجها وتمنع القنابل الامريكية من السقوط فوق مفاعلاتها النووية. وسيكون من المعروف أنها أضاعت فرصة. إذا لم تقبل طهران باتفاق واختارت المضي قدما، فسوف تحاول تسمية ما خاضته من مفاوضات بالخدعة من قبل الولايات المتحدة، ووقتها يمكن أن تسعى إلى جر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حرب استنزاف طويله قد لا يتحملها سياسيا كلا من ترامب ونتنياهو.