بينما تتصاعد نيران الحرب الإسرائيلية–الإيرانية المفتوحة، وتُوجّه الولايات المتحدة ضربات مباشرة إلى العمق النووي الإيراني، تدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، تقف عند حافة الانفجار الشامل. وفي مشهد يعكس خطورة اللحظة، أعلنت طهران رسميًا التصويت على إغلاق مضيق هرمز، في رد استراتيجي يهدد بتفجير شريان الطاقة العالمي وإشعال جبهة جديدة في قلب الخليج.
تقف مصر على مسافة ثابتة، متزنة، وواعية. ففي لحظة تختلط فيها المصالح الاستراتيجية بحرب الطاقة والانفجار العسكري، تقود القاهرة المشهد بهدوءٍ محسوب، وحنكةٍ سياسية، أثبتت مجددًا أن الحكمة ليست ضعفًا، بل شكل من أشكال القوة في زمن الفوضى.
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا لا يخص الخليج وحده، بل يتعلق بأمن الطاقة العالمي. فهو يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، ويشهد يوميًا مرور ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، أي نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل البترولية، ومع محدودية البدائل، يصبح إغلاقه الكامل أو تهديده سلاحًا استراتيجيًا خطيرًا، لا تصيب شظاياه المنطقة وحدها، بل تمتد آثاره إلى آسيا وأوروبا والولايات المتحدة ، ويكتسب القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز خطورته القصوى من الموقع الجغرافي الفريد لهذا الممر البحري. فالمضيق يقع بين إيران شمالًا وسلطنة عمان جنوبًا، ويمثل البوابة الوحيدة تقريبًا التي تخرج عبرها ناقلات النفط من الخليج العربي إلى العالم. فعند عبور المضيق، تنتقل السفن من الخليج العربي إلى خليج عمان، ثم إلى بحر العرب، ومنه إلى المحيط الهندي، في طريقها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية. هذا يعني أن أي إغلاق أو تهديد لهذا الممر، يُشبه من الناحية الاقتصادية إغلاق صمام ضخم يغذي الاقتصاد العالمي بالطاقة، فبدونه تتوقف صادرات النفط من السعودية، والإمارات، والكويت، والعراق، أو تمر بخيارات أقل كفاءة وأعلى كلفة، مما يُربك السوق العالمي ويهدد الأمن الطاقوي لدول كبرى.
قرار طهران الأخير – وإن وضع تنفيذه بيد الجهات الأمنية – أعاد رسم خريطة الخطر، وأدخل الاقتصاد العالمي في دوامة مضاعفة. فدول الخليج الرئيسية مثل السعودية، والإمارات، والكويت، والعراق، تعتمد بنسبة تفوق 90% على هذا الممر لتصدير نفطها، ما يعني أن البدائل، مثل خطوط أنابيب البحر الأحمر أو الإمارات، لن تغطي سوى نحو 2.6 مليون برميل يوميًا من أصل الكميات المصدّرة، وهي فجوة يصعب سدها سريعًا.
أما في آسيا، فالصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، تعتمد مجتمعة على المضيق في 80% أو أكثر من وارداتها من النفط والغاز. كما أن أوروبا، رغم أن حصتها أقل، ستتأثر بشدة من ارتفاع الأسعار وعدم استقرار السوق، في حين تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تستورد نحو 700 ألف برميل يوميًا من هذه المنطقة، ما يجعلها بدورها عرضة لصدمة اقتصادية عنيفة في حال انفلات الوضع أكثر مما هو عليه.
وسط كل هذه الألغام، لم يكن ردّ الفعل المصري صاخبًا، لكنه كان حاضرًا بذكاء. ففي المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس مجلس الوزراء، لم تكتف الحكومة بالطمأنة، بل قدمت نموذجًا لإدارة استراتيجية مبنية على التوقع والاستباق. فقد تم الإعلان عن امتلاك مصر مخزونًا استراتيجيًا من السلع الأساسية يكفي لأكثر من ستة أشهر، وهو رقم بالغ الأهمية في ظل الحديث عن انهيار سلاسل الإمداد.
كما تم تشغيل ثلاث وحدات غاز عائم – وهي منشآت بحرية لتحويل الغاز المسال إلى غاز جاهز للاستخدام – تحسبًا لأي اضطرابات في واردات الطاقة. كذلك، تم تفعيل لجنة أزمات تعمل بشكل دائم، وتضم أجهزة الدولة المختلفة، وتُدار بتنسيق مباشر من رئاسة الوزراء، في دليل واضح على أن الإدارة المصرية لا تنتظر الكارثة، بل تبني تصورات متعددة للتعامل مع أي احتمال.
في الوقت ذاته، تبرز قناة السويس كعنصر محوري في هذه المعادلة. ففي ظل التهديد المتزايد لمضيق هرمز، تزداد أهمية القناة كممر بديل لنقل الطاقة والبضائع، وهو ما يعزز من موقع مصر الجيوسياسي، ويضعها في قلب مشاورات كبرى بشأن تأمين سلاسل التوريد العالمية. هذا يفرض على الدولة مزيدًا من تطوير البنية التحتية للقناة، وربطها بالموانئ الذكية، وتحويلها من مجرد ممر إلى مركز لوجستي متكامل.
لكن ما يميز مصر في هذا الظرف، يتجاوز التحرك الاقتصادي أو الأمني. إنها الحكمة السياسية المتجذرة في الدولة، والتي توازن بين الهدوء والتحرك، بين الثوابت والمرونة، وبين الحفاظ على الأمن القومي والانفتاح على فرص جديدة. فالقاهرة، وإن كانت تراقب التصعيد عن كثب، تدير الأزمة بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة، وتركز على تحصين الداخل، لا استعراض الخارج.
ومع اشتداد الأزمة، يزداد يقين المصريين بأن دولتهم قادرة على العبور، كما فعلت في محطات أكثر صعوبة. فالثقة في المؤسسات، ووعي المواطن، ويقظة القوات المسلحة، تشكل شبكة أمان وطنية حقيقية، تجعل مصر دائمًا في وضعية استعداد، حتى وهي تختار الحياد البنّاء.
وفي زمن يُغلق فيه المضيق، وتشتعل فيه المنطقة، تقود مصر بهدوء. لا بالصوت العالي، بل بالفعل المدروس. لا بالمناورة، بل بالثقة. وتنجح، لأنها تعرف أن قوتها الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن العاصفة مهما بلغت... ستمر،،
حفظ الله مصر وتحيا مصر
المستشار الإعلامي المصري السابق ببكين
باحث متخصص في الشؤون الآسيوية والدولية
[email protected]