رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

صباح الثلاثاء



بدعوة من الصديق هاني وديع مدير مدرسة سان بول بشبرا حضرت الإحتفالية التي أقامتها المدرسة بمناسبة مرور 135 عام على تأسيس مدرسة القديس بولس الفرير شبرا.
في هذه الإحتفالية شاهدت مصر كلها ممثلة في رموزها السياسية والدينية والإجتماعية وقد كان على رأس الحضور الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة والسيد نيقولا هنري سفير الفاتيكان في مصر والسيد كلاوديو لوراتي مطران الكنيسة اللاتينية في مصر ومثلما جاءت كلمات الصديق هاني وديع في الإحتفالية التي شهدت أوبريت عن القديس يوحنا دي لاسال وٱخر من تلاميذ المدرسة تحت عنوان " مدرستي " فأنني أشعر بالفخر أن بلدي بها مدرسة يعادل تاريخها المجيد عطائها المستمر، ولما لا فأنت تتحدث عن مائة وخمسة وثلاثون عامًا وهذا المعهد يخدم أبناء المجتمع بكل أطيافه وطبقاته ... تغيرت الظروف السياسية وتبدلت الأحوال الاجتماعية وظلت المدرسة على عهدها دائمًا: تقدم تعليم إنساني عالي الجودة لأطفال وشباب وطننا العزيز مصر.
يعود تأسيس المدارس اللاسالية أو مدارس الفرير في العالم إلى القديس يوحنا دي لاسال قبل ما يزيد عن ثلاثمائة عام حينما شرع في تأسيس أول مدرسة لتعليم أبناء الفقراء والمهمشين متخذًا مسارًا يختلف كليًا عما كان سائدًا في المجتمع آنذاك فلم يكن أحد في هذا الوقت في فرنسا يعنيه أمر الفقراء ناهيك عن تعليمهم أو تربيتهم، وحينما اختار دي لاسال أن يلتزم بخدمة هذا المدارس قرر أن يفعل ذلك مع جماعة من المعلمين أطلق عليهم لقب "الإخوة" وأعتقد أن هذا التوجه كان كلمة السر في استمرارية هذه المدارس، ولم يكن دي لاسال ليتبنى هذا المشروع بمفرده وإنما من خلال جماعة وهذا ما ضمن لهذا المشروع التوسع والاستمراية بعد أكثر من ثلاثمائة عام على وفاة مؤسسه.
ومثلما ذكر هاني وديع في كلمته فقد واجهت المؤسسة العديد من الصعوبات والتحديات التي كانت كفيلة بإنهاء هذا المشروع إلا أن دي لاسال ورفاقه ومن بعده أولئك الذين استكملوا مسيرته كانوا دومًا ينظرون لكل تحدي بإعتباره فرصة لتنمية المؤسسة وتعميق جذورها حتى باتت مدارس وجامعات الفرير اليوم تخدم ما يقرب من مليون طالب موجودين في حوالي ثمانين دولة على مستوى العالم. كانت التحديات كبيرة إلا أن إيمان هذه الجماعة برسالتها التربوية كان أكبر وأعمق .... كانت الجماعة ترى يد الله وسط كل أزمة فكانت المؤسسة تخرج من كل أزمة أكثر قوة وصلابة من ذي قبل.
وقد ساعد على إستمرار هذه المؤسسة قدرتها المذهلة على التطور عبر الزمن .... فلم تكن المؤسسة أبدًا جامدة بل على العكس تمتعت بمرونة مكنتها من التأقلم مع كل الظروف والأحوال والتطورات التكنولوجية التي شهدها العالم منذ نشأتها وحتى يومنا هذا ... فقد أستلهمت المؤسسة تاريخها الطويل كميراث له وزنه ومع ذلك أضافت له الكثير من مفردات العصر فكانت النتيجة مؤسسة تمزج بين الأصالة والمعاصرة ... بين قيم تضرب بجذورها في عمق التاريخ وآفاق تحلق في فضاء المستقبل وبالطبع فإن المستفيد من هذا المزيج المدهش هو طلابنا.
وبكل تأكيد فإن التعليم يعد هو مستقبل الأمم وبوابتها نحو التقدم والرقي فالحضارات تبنى بالعلم ورقي الشعوب وتميزها لا يتحقق إلا من خلال مواطنين مؤمنين كل الإيمان بالعلم وأهميته وقيمته.
ولعل مايميز تلك المدارس هي أنها نمت العمل التطوعي والخدمي لدي تلاميذها من منظور أن الشخصية الإنسانية لا يكتمل نضجها إلا إذا أضافت معنى لوجودها وليس ثمة معنى أعمق من خدمة الآخرين ولاسيما الأكثر احتياجًا منهم وهو أمر عمل عليه هذا المعهد العريق من خلال العديد من المعسكرات التكوينية والخدمية التي تهدف إلى تعميق إدراك الطلاب بدورهم الاجتماعي والإنساني تجاه الآخرين ولعل فيما تقوم به المدرسة من مشروع تحت عنوان "نافذة على الحياة" على مدار سنوات خير دليل على هذا البعد في رسالة المؤسسة، بالإضافة إلى الإهتمام بكل جوانب الشخصية الإنسانية من خلال تقديم العديد من الأنشطة البناءة والتي تسهم جنبًا إلى جنب مع التعليم في خلق إنسان متوازن يعي أهمية العلم بنفس القدر الذي يعي به قيمة الفنون والثقافة فالنضج الإنساني يحتاج إلى شخصية متوازنة ومنفتحة ولديها تمسك بالقيم والمبادئ وهو مزيج يعمل على زيادة روح الانتماء للمدرسة والمجتمع والوطن، لأن فلسفة تلك الأنشطة بهذه المؤسسات مبنية على التنوع والمشاركة كهدف إستراتيجي بعيد المدى، لكي يختبر الطالب العديد من الأمور خارج النطاق الأكاديمي ويتعايش معها بمشاركة زملائه.
حقيقي هي تلك الإستراتيجية التي تقوم عليها تلك المؤسسة مثلما أوضحها هاني وديع ربان تلك المدرسة البارع والذي شد إنتباه الحضور عندما تقدم بالشكر والتقدير لما قام به السابقون وأنه جاء لكي يبني ويكمل ما قام به وهي فلسفة للعمل الجماعي في أبهى صوره.
أيضا أبهرني فريق العاملين في تلك المؤسسة من نظام وفلسفة في التعامل ووجدت حفاوة قيادات التعليم في القاهرة ولاسيما إدارة روض الفرج التعليمية وأتصور لولا تشجيع تلك القيادات ما كنا رأينا هذا الإبهار ومثلما قال اللواء أركان حرب محب حبشي مخافظ بور سعيد وخريج تلك المؤسسة في كلمته المتلفزة بأنه يتمني أن يكون التعليم على هذا النهج والذي أرسي قيم الإنضباط والإنتماء والولاء لهذا الوطن الذي يحتوينا جميعا ويخلق فينا بعدا إنسانيا جميلا وهو أننا نحترم بعضنا البعض في الإختلاف قبل الإتفاق وأن حجر الزاوية في تقدم الشعوب ورقيها هو أننا نحترم ونحب ونقدر الٱخر مثلما نحترم ونقدر أنفسنا.
كل التحية لقادة التعليم في مصر ولمؤسسات الفرير الرائعة والتي خلقت لنا تعليم يبحث عنه كل الأباء والأمهات في مصرنا الحبيبة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة