رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



تخشى إسرائيل من صفقة الرئيس الامريكي دونالد ترامب النووية مع إيران أكثر من الصفقة التي عقدتها طهران في عهد نظيره الأسبق باراك أوباما... علي حسب مزاعم تل أبيب فان الاتفاق المرجح توقيعه قريبا أن يترك إيران على بعد أشهر فقط من امتلاك سلاح نووي، ليس هذا فحسب لكنه ايضا يحد من فرص اسرائيل لتوجيه ضربة حاسمة لمنشآت نووية ايرانية، وبذلك تكون قد نجت الثانية ببرنامجها المثير للجدل، فيما خسرت الاولي فرصة تاريخية للقضاء على حلم الملالي النووى.
وكان ترمب قد أعلن بشكل غير متوقع قبل أكثر من شهر أن محادثات مباشرة تجري مع طهران تهدف إلى كبح البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات. وقد فعل ذلك بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي سافر إلى واشنطن على أمل كسب تأييد الهجمات على المواقع النووية الإيرانية بدلا من ذلك. على مدى العامين الماضيين، تم تقويض موقف إيران الإقليمي بسبب الضربات العسكرية القوية التي وجهتها إسرائيل إلى حلفائها حماس في غزة وحزب الله في لبنان، والإطاحة بحليفها الوثيق، الرئيس السوري بشار الأسد. في غضون ذلك، أثرت العقوبات الغربية بشدة على اقتصادها المعتمد على النفط.
بعد الاتفاق المتوقع سيقول الرئيس ترمب إنه حصل على ما يريد من إيران في اتفاقه النووي، بل وأكثر من الرئيسين الأميركيين السابقين باراك أوباما وجو بايدن. وسيكون هذا صحيحا لسببين: الاول، وجود مفتشين نوويين أمريكيين بجانب مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المنشآت النووية الإيرانية، والثاني، التوقف التام في تخصيب اليورانيوم، حتى عند المستويات المنخفضة، لفترة زمنية رمزية ربما تبلغ حوالي عام. ومع ذلك، فأن كبار المسؤولين الإسرائيليين يخشون من هذا الاتفاق المحتمل مع إيران أكثر من خوفهم حتى من اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، الذي اعتبره معظمهم معيبا للغاية. فيما يتعلق ببايدن، فكان أكبر تقدم حققه في فترته الرئاسية هو تجميد طهران لليورانيوم المخصب بنسبة 60٪. كان هذا جزءا من صفقته في خريف عام 2023 ، والتي كانت ستدفع الولايات المتحدة إلى توجيه حوالي 6 مليارات دولار من الأموال المجمدة إلى الجمهورية الإسلامية. وفيما يتعلق بأوباما، نجح في إعادة طهران من مستوى اليورانيوم المتوسط المخصب بنسبة 20 في المائة إلى المستوى المنخفض البالغ 3.67 في المائة، لكنه لم يتوقف أبدا عن اليورانيوم المتوسط. كما حصل أوباما على السماح بوصول مفتش نووي كبير منفردا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المنشآت النووية الإيرانية، لكنه فشل في انتزاع موافقتها على مشاركة مفتشين امريكيين في عمليات المراقبة على البرنامج النووى.
بالفعل قد تكون هناك تنازلات أخرى يمكن أن يحصل عليها ترمب لم يحصل عليها بايدن ولا أوباما، مثل ضمانات بعدم مهاجمة القوات الأمريكية وربما حتى التوقف المؤقت في بعض اختبارات الصواريخ الباليستية، والتي يمكن أن يكون لها استخدامات مزدوجة بين الرؤوس الحربية التقليدية والنووية. إذا كان الأمر كذلك، وهنا يطرح السؤال نفسه.. لماذا يشعر المسؤولون الإسرائيليون بالرعب الشديد؟
بادئ ذي بدء، كانت هناك جهود اسرائيلية مكثفة من قبل مسئولين كبار من بينهم مدير الموساد، ورئيس استخبارات الجيش الإسرائيلي، من خلال جوﻻت وزيارات مختلفة في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة في محاولة للضغط على ترمب ومبعوثه ستيف ويتكوف للحفاظ على الخط المفاوضات بشأن القضايا النووية الايرانية وحصره في اما اذعان طهران او ضربه قاسمة لمنشآتها النووية. الا أن تلك الجهود اصطدمت بوجهة نظر الرئيس الامريكي الباحث عن تحقيق المكاسب دون النظر لاعتبارات سياسية يعتبرها من وجهة نظره يمكن القفز عليها أو على الاقل تأجيلها لحين اشعار اخر.. وفي حين يعتقد هؤلاء المسؤولون أنهم أحرزوا بعض التقدم، لا يزال هناك خوف عميق من أن المسار الأساسي للمفاوضات هو أن يتوصل ترمب إلى اتفاق، حتى لو لم يف بجميع متطلبات إسرائيل الأمنية.
أيضا، إذا أبرم ترمب صفقة وطلب من إسرائيل التنحي أو التخلي عن خططها لمهاجمة النووى الايراني، فمن المحتمل ألا يؤدي ذلك إلى منعها من الهجوم فحسب، بل قد يمنعها أيضا من تنفيذ العمليات السرية على غرار عملية الموساد في داخل إيران التي ادت على الاقل الي تأخر طهران في صنع قنبلتها النووية الاولي.
في عام 2015 ، احتاجت إيران إلى ما يقرب من 20000 جهاز طرد مركزي قديم من طراز IR-1 لتخصيب ما يكفي من اليورانيوم لصنع سلاح نووي، ومجرد امتلاكها تلك الاجهزة فانها تصبح على بعد عام فقط من انتاج اول قنبلة. ولكن الآن في عام 2025 ، تمتلك إيران الآلاف من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة IR-4 و IR-6. يمكن إخفاء بضع مئات فقط من هذه المنشآت في أماكن أصغر بكثير من المرافق المعلنة المعروفة في نطنز وفوردو، ويمكن أن تنقل طهران من الصفر إلى اليورانيوم المخصب المسلح في غضون بضعة أشهر فقط. كما أن مستوي تخصيب الآن لديها ربما يصل الي 60٪ بسهولة، وهي قفزة مهمة تؤكد انها اصبحت تمتلك وتتقن بالفعل العلوم النووية بما يعني ان حصولها على القنبلة النووية مسألة وقت فقط.
بالتالي فان اي اتفاق من وجهة نظر تل ابيب، هو تكريس فعلي وعملي لقدرة إيران النووية ليس هذا وحسب لكنه ايضا يفتح لها المجال واسع امام تطوير تلك القدرة بعد رفع العقوبات الدولية عنها. في المقابل، فان حكومة اسرائيل ترى انها في لحظة تاريخية غير مسبوقة بعد ان تم تحييد حماس وحزب الله من المشهد، ولا يمكن أن يكون هناك وقت أفضل للجيش الإسرائيلي للهجوم الان. باختصار، فإنه مهما كانت ضوابط وشروط الاتفاق النووي التي يناقشها ترمب وفريقه فأنها في أحسن الاحوال ستترك إيران على بعد بضعة أشهر من امتلاك سلاح نووي، وفي الوقت نفسه ستمنع إسرائيل من الهجوم في أنسب لحظة مرت بها منذ عقود.
طهران بالفعل منفتحة على اتفاق لكنها لا تثق في ترمب المتقلب أو أن تكون النتيجة اتفاق غير ملزم لأي ادارة جديدة في البيت الابيض. وفي احسن الاحوال قد توقف تخصيب اليورانيوم مؤقتا إذا أفرجت الولايات المتحدة عن أموالها المجمدة واعترفت بحقها في تكرير اليورانيوم للاستخدام المدني بموجب "اتفاق سياسي" يمكن أن يؤدي إلى اتفاق نووي أوسع، الا ان هذا لن يكون مرضيا لإسرائيل التي ستعتبر نفسها الضحية وانها خسرت كل شيء، وبالرغم من دول الخليج والقوى الإقليمية الأخرى تتشكك في اجندة إيران، وأنه يمكن اعتبارها شريكا يمكن الاعتماد عليه، الا أنهم أصبحوا أكثر قناعة بالتعايش مع مخاوفهم من طهران بدلا من السقوط في براثن حرب اقليمية تأخذ الاخضر واليابس وخططهم الاقتصادية التي يراهنون عليها الان. يبقي المشهد التفاوضي شديد الضبابية وأيضا شديد الالتباس لجميع الاطراف.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة