رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

صورة مصر في الدراما ليست مجرد انعكاس لواقعنا، بل هي مرآة تعكس ما نطمح أن يراه العالم عن هويتنا وثقافتنا.خاصة وأن الصورة التي صدرتها الدراما مؤخرا في كثير من الاعمال غير حقيقة ، المصري، ابن البلد، هو ذلك الإنسان الذي يمتدح قيم التكافل والشجاعة ويحرص علي أن يكونا من خصاله وافعاله ، يقف إلى جوار المحتاج، يدافع عن الضعيف، ويواجه الشر بقلب لا يعرف الخوف. هذه الصورة النقية، التي تجسدت في أعمال درامية خالدة، تعرضت في بعض الأحيان لتشويه من خلال صور مغلوطة أظهرت الشارع المصري في ثوب لا يليق به. مسلسلات مثل "سيد الناس" و"العتاولة" وغيرها من اعمال قدمت صورة سلبية للمجتمع المصري، حيث البلطجة، التفكك الأسري، تجارة المخدرات، والدعارة تهيمن على المشهد، وكأنها تعكس واقعًا بعيدًا عن جوهر المجتمع المصري الأصيل.

وسط هذا الزخم، يبرز مسلسل "حرب الجبالي" كعمل درامي يحمل رؤية متميزة، يعيد صياغة صورة الشارع المصري بتوازن بين الخير والشر، ويسلط الضوء على قضايا اجتماعية عميقة، مع التركيز على مفهوم "الشر الموظف"، تلك الظاهرة التي تهدد المجتمع باستغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية على حساب الآخرين ، فهو دراما اجتماعية تدور أحداث المسلسل في إطار اجتماعي حول الحياة اليومية في حي الجمالية بمصر، حيث تتصاعد الصراعات بين عائلتين ذات نفوذ قوي، في رحلة للوصول إلى السلطة وفرض السيطرة داخل الحي.
"حرب الجبالي"، من تأليف السيناريست المبدعة سماح الحريري، يقدم نصًا دراميًا متماسكًا يتناول قضايا اجتماعية معاصرة بأسلوب مشوق ومؤثر. النص يتميز بحوارات قوية وشخصيات مرسومة بعناية فائقة، مما يجعل كل مشهد يحمل رسالة واضحة. الحريري، ببراعتها في صياغة القصص، نجحت في خلق عالم درامي يعكس تناقضات الشارع المصري، مع إبراز القيم الأصيلة مثل التكافل، الشجاعة، والعدالة. الحوارات في المسلسل ليست مجرد كلمات، بل هي انعكاس لنبض الشارع المصري، حيث تمتزج العامية المصرية الأصيلة بالمعاني العميقة التي تعبر عن هموم الناس وآمالهم. كل شخصية في المسلسل، سواء كانت بطلة أو ثانوية، تحمل بصمة مميزة تجعلها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الدرامي، مما يعكس مهارة الحريري في بناء عوالم درامية متكاملة.
إخراج المسلسل، بقيادة المخرج محمد أسامة، يعد أحد العناصر الأساسية لنجاح العمل. أسامة، برؤيته الفنية الواضحة، استطاع أن يترجم النص إلى صور بصرية مفعمة بالحياة، حيث يظهر الشارع المصري بتناقضاته المعقدة، ولكنه يحافظ على إبراز الجوانب الإيجابية للمجتمع. اختياراته البصرية، من زوايا التصوير إلى الإضاءة والموسيقي التصورية التي كانت من نبض الشارع ، عززت من واقعية المشاهد وأضافت عمقًا للأحداث. المخرج لم يكتفِ بتقديم صورة جمالية، بل نجح في توظيف كل عنصر بصري لخدمة القصة، مما جعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من الأحداث. الديكور، الذي صممه أحمد العليقي، كان عنصرًا حيويًا في خلق أجواء المسلسل، حيث عكس بدقة بيئة الشارع المصري بتفاصيله اليومية، من الأزقة الضيقة إلى الأسواق النابضة بالحياة، مما أضفى مصداقية بصرية على العمل.
توظيف الأدوار في "حرب الجبالي" يعكس دقة في اختيار الممثلين، حيث جاءت الشخصيات متناغمة مع طبيعة الأحداث. نبدأ بعمي الفنان القدير صلاح عبدالله، بدور "عثمان" والد حرب،
السهل الممتنع الذي جمع كل صفات الشخصية واجاد الامساك بها فكانت شخصية واقعية أضفى بأدائه الطبيعي طابعًا أبويًا يعكس قيم الأسرة المصرية وعكس ايضا قوة الانسان المصري الذي يرعي أسرته وأهل الشارع وجميعهم في حمايته ، وأحمد رزق، في دور الابن "حرب الجبالي"، قدم أداءً قويًا يجسد الرجل المصري والابن المطيع الذي اكتسب كل ما هو خير من والده عثمان بل ايضا امتلك المقدرة علي التصدي للشر ودعم كل من حوله وحمايته مستخدما مفردات كثيرة افادت الشخصية ورسمت ملامحها وهو الذي يحمل على عاتقه هموم أسرته ومجتمعه ويشارك والدة هموم الحياة ، مع الحفاظ على إنسانيته وشجاعته. سوسن بدر، بدور "أنهار" والدة حرب، أضافت بأدائها العميق لمسة عاطفية جعلت الجمهور يتعاطف مع صراعاتها الأسرية. رياض الخولي، الشر الممزوج بالدهاء في دور "سعيد"، قدم شخصية معقدة تجمع بين القوة والضعف، مما عزز من التوتر الدرامي.. فردوس عبدالحميد، في دور "ملك" قلب الاسرة المصرية التي تملك زمام الامور بالحب والاحترام القادرة علي ردع من تسول له نفسه الاقتراب من مملكته وخبرة الفنانه الكبيرة فردوس عبد الحميد اضافت للدور ، وإنتصار بقدراتها رسمت شخصيتها في المسلسل فهي تلعب دور "زهرة" من تنتظر الفرصة للانتقام وتظهر بصورة الضعيفة المغلوبة ، أظهرتا تنوعًا في الأداء يعكس تناقضات الشخصيات النسائية في المجتمع. هبة مجدي، في دور "ثريا"، ونسرين أمين، بدور "أميرة"، أضافتا بأدائهما المتميز لمسات إنسانية عميقة للصراع بينهما وهو الصراع الاذلي بين الخير والشر في أقبح صوره وتجلت صورة الشر البجح المتعمد علي سطوة المال وكل مظاهر انعدام القيم والمبادئ والاخلاق جسدها الفنان الشاب احمد خالد صالح وهو يلعب دور راشد اخو سعيد الغرباوي ، والفنان القدير الراحل اشرف عبد الغفور في دور الشيخ مصطفي المتصل بالروحانيات وحب الله وهو ايضا المرشد لعثمان الجبالي وهناك ايضا الفنان القدير مفيد عاشور الذي يلعب دور شعبان والد ثريا فهو فنان مبدع ومثقف وفنان بمعني الكلمة راكب الشخصية أداء رائع ... دائما يتفوق علي نفسه . باقي فريق العمل، من لقاء سويدان في دور "وداد"، ياسر الطوبجي ومنار عبد الحليم وصفوة ومدحت الخطيب وسليم سليمان ونادر جودة ودنيا المصري وأحمد عزمي وأحمد الرافعي ومحمود السراج قدموا أداءً جماعيًا متماسكًا عزز من جودة العمل، حيث تفاعلوا بسلاسة جعلت العلاقات بين الشخصيات تبدو واقعية ومقنعة.
ومن هنا يأتي الاختلاف بين حرب الجبالي والأعمال التي اساءت للشارع المصري في مفهوم "الشر الموظف"، كما يظهر في المسلسل، حيث يتجاوز البلطجة التقليدية ليسلط الضوء على استغلال السلطة بطرق ممنهجة. هذا الشر يتجلى في الفساد المالي، الظلم الاجتماعي، والابتزاز، وايضا تجارة المخدرات حيث تُستخدم لتحقيق مصالح شخصية على حساب الضعفاء. لكن المسلسل لا يكتفي بعرض هذا الشر، بل يقدم توازنًا من خلال إبراز دور الأفراد والمجتمع في مواجهته. شخصيات مثل عثمان وابنه حرب الجبالي تمثل الأمل في مقاومة الظلم، حيث يظهر المصري العادي كبطل يتشبث بقيمه ومبادئه. الأحداث المشوقة، التي تمتزج فيها لحظات التوتر بالأمل، تجعل المشاهد يعيش مع الشخصيات صراعاتها، سواء كانت تتعلق بالفساد، الفقر، أو الظلم الاجتماعي.
ما يميز " عثمان وابنه حرب الجبالي" هو قدرتهما على صياغة شكل جديد للشارع المصري، بعيدًا عن الصور النمطية التي ركزت على السلبيات. العمل يعزز قيم النزاهة، التكافل، والأخلاق، والمبائ والعودة عن الطرق الخاطئ ويظهر كيف يمكن للفرد أن يكون محركًا للتغيير الإيجابي. من خلال شخصياته المتنوعة، يعكس المسلسل تناقضات المجتمع المصري، لكنه يؤكد أن الخير يظل هو الأساس. الأحداث، التي تتسم بالتشويق والإثارة، تجعل المشاهد يتفاعل مع القضايا المطروحة، وتدفعه للتفكير في دوره في مواجهة التحديات الاجتماعية. المسلسل ينجح في إيصال رسالة مفادها أن الشارع المصري، رغم تحدياته، يظل نابضًا بالحياة والأمل، وأن المصري قادر على مواجهة الشر بقوة إرادته وتمسكه بقيمه الأصيلة. حرب الجبالي إعادة صياغة الشارع المصري في الدراما بين الخير والشر الموظف .

وأخيرا

ابعث رسالة للصديق العزيز الفنان القدير الكبير عمي صلاح عبدالله التعليق الذي اعتبره اساءة لنا جميعا وللفن المصري بشكل عام ، دليل جهل بقيمة ما تقدمه وهو معبر عن شخص واحد لا يدرك ما تقدمه من عطاء فنان بحجمك. ورأيه لا تعكس إلا جهلًا بقيمة الإرادة والعزيمة التي تمثلها. ردك القوي والملهم، الذي أكدت فيه تمسكك بالحياة والفن "مادمت حي بإذن الحي القيوم"، هو درس في الصمود والإصرار، ويعكس روحك التي لا تعرف الاستسلام ، مسيرتك الفنية الحافلة التي أثرت وجداننا وقلوبنا. لقد كنت وما زلت رمزًا للفن الأصيل، تقدم أدوارًا تحمل في طياتها روح الإنسان المصري بكل ما فيها من صدق وعمق وإبداع. من خلال أعمالك المميزة، سواء في مسلسل "حرب الجبالي" أو "وتقابل حبيب" وغيرها من الأعمال التي تركت بصمة لا تُنسى، استطعت أن تكون صوتًا للمجتمع، تعكس قيمه وتحدياته ببراعة ومهارة لا مثيل لها ، نحن، جمهورك المحب، نرى فيك رمزًا للإبداع الذي لا يتوقف، ونقدر كل لحظة قدمتها على الشاشة أو المسرح او السينما تحمل فيها همومنا وأحلامنا. نطالبك ألا تلتفت لهذا الصوت السلبي الذي لا يمثل إلا نفسه وغير مؤثر. استمر في إلهامنا، يا أستاذ صلاح، بأدائك العظيم وروحك المفعمة بالحياة. أنت فخر للفن المصري، وجمهورك يقف خلفك داعمًا ومقدرًا لكل ما قدمته وستقدمه.
مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة