رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

سعدت كثيرًا بتأسيس وبانعقاد الاجتماع الأول للجنة العليا لمنتدى القاهرة للإعلام في مدينة الإنتاج الإعلامي، ويعود سر سعادتي إلى أن اللجنة تضم نخبة من القامات الإعلامية والأكاديمية المتخصصة، الذين أشهد أنهم كوكبة متميزة تم اختيارها بعناية فائقة وهم اصدقاء اعزاء اشرف بصداقتهم.
فقد جاء تشكيل اللجنة متناغمًا، حيث يمثل كل عضو مدرسة فكرية وإبداعية مستقلة، ليشكلوا معًا نسيجًا متكاملًا يجمع بين حكمة الخبرة وطموح التجديد والعمل الدؤوب من أجل الإعلام المصري، لاستعادة ريادته وهويته كقوة ناعمة لمصر، وليواكب أحدث التطورات التكنولوجية في عالم الإعلام عامة، والإعلام الرقمي خاصة.
وضم التشكيل عددًا من الشخصيات البارزة من المؤسسات الإعلامية الكبرى، إذ شمل ممثلين عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة العامة للاستعلامات، والشركة المتحدة، والمتحف المصري الكبير، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى جانب مؤسسات من القطاع الإعلامي الخاص.
اختيار الأعضاء كان دقيقًا ومدروسًا وشاملا كما هو واضح ، مما يضمن مواكبة التحولات الكبرى في صناعة الإعلام فما اجمل أن يكون هناك ممثلا للمتحف الكبير بجانب الاعلام ، مما يؤكد تقديم رؤى إعلامية مصرية مستنيرة واستراتيجيات عميقة، مدعومة بخبرات نادرة وقدرة متميزة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة في عالم الإعلام المتغير. القاسم المشترك بين أعضاء اللجنة هو السعي للارتقاء بالصناعة الإعلامية لتلبي تحديات العصر دون أن تفقد هويتها الأصيلة.

انطلاقًا من إدراكي لقيمة وخبرات أعضاء اللجنة، أكتب هذا المقال وهو رسالة إلى اللجنة العليا لمنتدى القاهرة للإعلام مخاطبًا هذه القامات الإعلامية والأكاديمية، مستمدًا خطابي من واقع وتاريخ الإعلام والدراما المصرية وتاريخ مصر الثقافي والحضاري، متمنيًا مناقشة ما أطرحه فيه، وواثقًا أننا سنصل إلى ما يخدم إعلامنا المصري، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم الإعلامي. مصر صاحبة الريادة، فهي التي امتلكت إرثًا إعلاميًا وفنيًا عريقًا يجعلها رائدة في المنطقة العربية.
بدأ هذا التاريخ مع انطلاق أول إذاعة رسمية عام 1934، ثم تأسيس التليفزيون المصري عام 1960. شكلت مؤسسات مثل التليفزيون المصري واتحاده ومدينة الإنتاج الإعلامي والنيل سات منارات للإبداع العربي، وأنتجت أعمالًا درامية وإذاعية أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية للأمة العربية.
إلى جانب ذلك، أسهمت السينما والمسرح المصري في تعزيز هذا الإرث الزاخر، مما جعل مصر منارة للإعلام والفن في العالم العربي. نجحت مصر عبر عقود في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، والترفيه والرسالة، فكانت لدينا مهرجانات مثل القاهرة السينمائي الدولي، ومهرجانات المسرح، ومهرجان دولي للأغنية، ومهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون. كان هذا المهرجان عرسًا عربيًا ينظمه ماسبيرو، يشارك فيه العالم العربي بأسره، وكانت جوائزه هدفًا للتليفزيونات العربية ومنتجي الدراما ومبدعيها من كتاب ومخرجين ومصورين وموسيقيين وغيرهم، ليصبح الحدث الأبرز في عالمنا العربي.

أتمنى أن تدرس اللجنة فكرة إحياء مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون كحدث استثنائي يحمل دلالات عميقة تتجاوز كونه فعالية ثقافية عابرة. هذه العودة، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإحياء دور ماسبيرو كقلعة إعلامية عريقة، وتمثل محطة فارقة في مسيرة الإعلام المصري والعربي، وتفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل الصناعة الإعلامية في عصر التدفق الرقمي والتحولات التكنولوجية المتسارعة. في هذا السياق، يأتي قرار إقامة منتدى القاهرة للإعلام كخطوة بالغة الأهمية، لكنها تثير تساؤلات حول الشكل الأمثل لتحقيق أقصى استفادة.
أرى أنه كان من الأفضل الاعلان عن عودة مهرجان القاهرة للاذاعة والتليفزيون وإقامة المنتدى على هامش المهرجان لأسباب استراتيجية.
أولًا، المهرجان بجماهيريته الواسعة ومشاركة نخبة من صناع الإعلام والفن يخلق بيئة خصبة للمنتدى، حيث يصبح الحوار الفكري جزءًا لا يتجزأ من الفعالية، بدلًا من أن يظل محصورًا في قاعات مغلقة.
ثانيًا، الجمع بين العمق الفكري للمنتدى والحيوية الإبداعية للمهرجان يحقق تكاملًا نادرًا يثري التجربة ككل.
ثالثًا، الأجواء الاحتفالية للمهرجان تساعد على كسر الحواجز النفسية بين المشاركين، مما ينتج حوارات أكثر عفوية وثراء.

التجارب العالمية الناجحة تثبت جدوى هذا النموذج التكاملي. وتحقيقا للهدف رغم الاختلاف في ان ما ادعو لعودته وهو مهرجانا للاذاعة والتليفزيون وما اتخذه مثل مهرجانا للسينما ، فمهرجان كان السينمائي الدولي، على سبيل المثال، لا يقتصر على العروض الفنية، بل يشمل ندوات وحلقات نقاشية تتناول كل جوانب الصناعة السينمائية. هذه التركيبة المزدوجة جعلت من كان منصة لا غنى عنها للعاملين في المجال السينمائي عالميًا. الأمر ذاته ينطبق على مهرجاني برلين وتورونتو السينمائيين، حيث تتحول الفعاليات الفنية إلى منتديات فكرية تطرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل الصناعة. في الحالة المصرية، يمكن لمهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون أن يكون منصة شاملة تجمع بين العروض الإبداعية المتميزة والحوارات الفكرية الجادة. فمن جهة، يمكن أن يكون المهرجان منبرًا للأعمال الإذاعية والتلفزيونية العربية الرائدة، ويعيد اكتشاف كنوز الأرشيف الإعلامي المصري والعربي العريق. ومن جهة أخرى، يمكن للمنتدى أن يناقش التحديات الكبرى التي تواجه الصناعة الإعلامية، من أزمة المحتوى إلى تحولات المشاهدة، ومن تحديات التمويل إلى تأثير التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي على صناعة الإعلام. كما يمكن إقامة سوق على هامش المهرجان لعرض أحدث العناصر التكنولوجية وتقنيات الإنتاج الإعلامي والدرامي، التي تشهد تطورًا كبيرًا، كما رأيت في معارض عالمية، خاصة في الصين، حيث لاحظت تقدمًا مذهلًا في الكاميرات وأجهزة الصوت والمونتاج والمكساج، لا سيما في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي ويعتبر السوق والمعرض من مدخلات المهرجان والمنتدي المادية واحدي سبل التمويل المباشر.
إحياء مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون ذي التاريخ العريق، مع إقامة منتدى القاهرة للإعلام على هامشه، يمكننا من تجاوز التقليد الأعمى الذي اتُهمنا به بعد إعلان إقامة المنتدى. ليس من المنطقي أن نقيم منتدى القاهرة للإعلام فقط لمجرد وجود منتديات مشابهة في دبي أو الرياض. عودة و إقامة مهرجان مع منتدى على هامشه فكر مصري خالص ، يحقق تكاملًا يعود بالفائدة على الجميع و مزيج نادر من المعرفة والترفيه، والمتخصصون ستتاح لهم فرصة التواصل مع قاعدة واسعة من المبدعين والأكاديميين، لنقل خبراتهم خارج الدوائر الضيقة، والمهرجان نفسه سيكتسب عمقًا فكريًا يضعه في مصاف الفعاليات العالمية الكبرى، ومواكبًا عودة ماسبيرو.


يعد اختيار الكاتب الصحفي الكبير عبد الفتاح الجبالي، رئيس مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، رئيسًا للجنة العليا للمنتدى، حدثًا مهمًا يعيد للمدينة مكانتها الريادية التي تليق بتاريخها العظيم . هذا القرار الاستراتيجي يعيد إلى الأذهان الارتباط الوثيق بين المدينة وماسبيرو، منذ تأسيس المدينة من رحم ماسبيرو.
اليوم، أشهد عودتهما للعمل معًا، والهيئة الوطنية للاعلام " اتحاد الاذاعة والتليفزيون . ماسبيرو " تحت القيادة الحكيمة للكاتب الصحفي أحمد المسلماني. هذا التعاون يبشر ببدء مرحلة جديدة يصوغها الفكر المستنير والعمل الدؤوب.
ارتباطي الشخصي العميق بهذه الصروح الإعلامية يضفي على هذه اللحظة التاريخية بعدًا خاصًا. فمدينة الإنتاج الإعلامي بالنسبة لي ليست مجرد مكان عملت به، بل هي جزء من مسيرتي المهنية والإبداعية. كان لي شرف تقديم الدراسة التأسيسية لمركزها الإعلامي للراحل العظيم المهندس عبد الرحمن حافظ، وتوليت الإشراف على عمل المركز في بداياته قبل انتقالي لإنشاء المركز الإعلامي والصحفي لـ MBC. هذه المحطات تشكل فصولًا غالية في مسيرتي، وتجسد عمق ارتباطي بماسبيرو ومدينة الإنتاج الإعلامي، تلك المنارات التي أنارت درب الإعلام العربي. وعودة التعاون بينهما في الانتاج وفي العمل من خلال اللجنة يؤكد أن الإعلام المصري يسير على الطريق الصحيح، ويمهد لعهد جديد يحقق طموحات المستقبل ورؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يقف خلف هذا الحراك الإعلامي والفني الذي نشهده.

أخيرا

أعلم أن الصديق العزيز الكاتب الصحفي الكبير أحمد المسلماني يجتهد ويعمل ويسعى بجهود مضنية لإنجاح هذه العودة. لا يمكن لأحد أن ينكر الطاقة الفكرية والإدارية الهائلة التي يبذلها في هذا الملف، حيث يعمل بكل ما أوتي من خبرة وإصرار لتحقيق هذه الغاية الوطنية الكبرى، وهي استعادة مكانة ماسبيرو وقوة مصر الناعمة وتوظيفها لخدمة أمنها القومي وأدرك أنها مهمة شاقة تتطلب رؤية واضحة وإرادة صلبة، خاصة في ظل التحديات التي تواجه إعلامنا، وهو ما يدفعني لتقديم هذا النصح للجنة ، لعلنا نشترك جميعًا في تقديم شيء لكنانة الله في أرضه. وأثمن عاليًا الجهود الكبيرة التي تُبذل من أجل إعلامنا المصري، بقيادة الرئيس السيسي وقيادات مؤمنة بدور الإعلام في بناء مصر المستقبل. هذا ما دفعني لتوجيه رسالتي هذه إلى اللجنة العليا لمنتدى القاهرة للإعلام، متمنيًا أن تجد من يستمع إليها. وأدعو إلى التفكير في إحياء مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون وإطلاق المنتدى على هامشه، حيث أرى أن الدمج بينهما في إطار استراتيجي متكامل هو الخيار الأمثل. مهرجان يقدم الإبداع، ومنتدى يطرح الرؤى، في وحدة عضوية تثري المشهد الثقافي والإعلامي المصري. هذا النموذج التكاملي هو ما نحتاجه اليوم لمواجهة تحديات العصر، حيث تصبح الفعاليات الثقافية منصات شاملة للفكر والإبداع، تواكب العصر دون أن تفقد هويتها، وتتجدد دون أن تتنكر لتراثها.

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة