نظرة
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة معركة حقيقية. بدلًا من أن تكون مكانًا للحوار الهادئ وتبادل الأفكار، تحولت إلى حلبة صراع للتجريح و التشهير و العبث بمكانة وقيمة المحترمين
المشكلة الكبرى أن هناك من يستخدمون شهرتهم وقاعدة متابعيها لمهاجمة أي شخص من أصحاب الكفاءة و الخبرة يخالفهم الرأي. والتعدى عليهم باسوء الالفاظ و الهدف الا يدلي و يعرض رأيه وفكرته مرة اخرى لان حجته و منطقة تهدد مكانة هؤلاء الجهلاء وتأثيرهم فى السوشيال ميديا
هذا الوضع جعل الكثير من أصحاب العقول والخبرات يبتعدون عن المشاركة في النقاشات العامة. لماذا؟ لأنهم لا يريدون التعرض للإهانة أو التشويه أمام الملايين. خاصة ان هؤلاء البلطجية يعتمدون على التشهير الممنهج و سرد القصص المفبركة دون أي حياء
عندما يصمت العقلاء الصمت، يدفع المجتمع ثمنًا باهظًا، من مظاهرة تراجع جودة النقاش العام وتحول القضايا المهمة إلى مجرد مسابقات في الإثارة والضجيج وسيطرة الأمية الفكرية وانتشار المعلومات الخاطئة بسرعة كبيرة حيث يبحث أصحاب الكفاءات عن بيئات تقدر الحوار الموضوعي وتحترم الاختلاف.
لا يزال الأمل موجودًا لاستعادة هذه المنصات من قبضة "البلطجية الرقميين"، وذلك من خلال عدة خطوات ضرورية:
تأسيس منصات بديلة مُدارة بالخبراء: تكون بمثابة مجتمعات علمية مغلقة تلتزم بمعايير النقاش الرصين والأخلاقي وسن تشريعات صارمة تجرم التشهير الجماعي وتلزم المنصات بحذف المحتوى المسيء فورًا وتثقيف الجمهور من خلال تدريس "محو الأمية الرقمية" في المدارس لتعليم الشباب كيفية التمييز بين الرأي والحقيقة والإثارة تمكين الأكاديميين والمتخصصين ودعم ظهورهم الإعلامي بآليات تضمن لهم الحماية والتقدير.
هناك دول اتخذت خطوات جادة لمواجهة هذه الظاهرة، مثل:سنغافورة: التي طبقت قوانين صارمة لمكافحة "التنمر الرقمي" وتغريم المنصات المتأخرة في إزالة المحتوى المسيء، ألمانيا التي أنشأت وحدات شرطة متخصصة في الجرائم الإلكترونية كندا التي أطلقت حملة توعية في المدارس تحت شعار "فكر قبل أن تشارك"
إذا لم نتحرك الآن، فإننا نواجه مستقبلًا قاتمًا يتمثل في مجتمعات مُستقطبة: حيث يعيش كل فرد في فقاعة معلوماتية لا يرى فيها إلا ما يوافق هواه. في كل شيء، من العلم إلى السياسة، بسبب الشك الدائم في كل معلومة.
المعركة اليوم ليست مجرد صراع بين الحق والباطل، بل هي معركة من أجل مستقبل مجتمعاتنا. فإما أن نختار بناء أمة تقوم على الكفاءات والعقول المستنيرة، أو نستسلم لفوضى الضوضاء التي تهدد بتقويض كل إنجاز. الخيار الأول يتطلب شجاعة وقوة قانون ودعمًا حقيقيًا لكل صوت عاقل، بينما الثاني هو طريق سهل ولكنه حتمًا سيقودنا إلى الهاوية.