بالبنط العريض
خطوتان متزامنتان أقدم عليهما مؤخرا اليمين المتطرف في إسرائيل وتحديدا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش زعيم حزب "الصهيونية الدينية" و وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير زعيم حزب "القوة اليهودية", أما الأول فأعلن صراحة في تصريح أثار جدلا واسعا، أن إعادة الأسرى الإسرائيليين من غزة ليست أولوية قصوى، مشددا على ضرورة ما وصفه ب "قول الحقيقة" وعدم خداع الجمهور، رافضا الدعوات الإسرائيلية المتزايدة لإبرام صفقة تبادل أسرى مع الحركة ووقف الحرب، من أجل إعادة 59 أسيرا إسرائيليا، بينهم 24 يُعتقد أنهم أحياء.. والثاني إيتمار بن جفير قام بزيارة إلى الولايات المتحدة هي الأولى له منذ توليه منصب وزير الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية أواخر عام 2022. وكانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد قاطعته بسبب مواقفه المتطرفة والداعية إلى الحرب وتجويع الفلسطينيين وتهجيرهم وإقامة مستوطنات جديدة في قطاع غزة بعد إعادة احتلاله.. التقى بن جفير كبار المسؤولين في الحزب الجمهوري في منتجع ترامب في "مار إيه لاجو" بولاية فلوريدا، و حرض من هناك على قصف مخازن الأغذية والمساعدات الإنسانية في قطاع غزة، بزعم استخدامها كوسيلة ضغط على حركة حماس لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين, وكتب في منشور على منصة إكس أن هؤلاء المسؤولين أعربوا عن تأييدهم لموقفه بشأن كيفية التصرف في غزة، وأنه ينبغي قصف مخازن الأغذية والمساعدات من أجل خلق ضغط عسكري وسياسي لإعادة الرهائن إلى ديارهم سالمين.. ولم يصدر أي تعليق رسمي من الحزب الجمهوري حول هذا اللقاء أو المزاعم التي أطلقها بن جفير بشأن دعم مسؤولين له.
تصريحات سموتريتش و بن جفير امتداد للخطاب المتطرف، الذي يدعو صراحة إلى حرمان الفلسطينيين من أبسط مقومات الحياة, وسبق أن طرح الأخير أفكارا مماثلة في الداخل الإسرائيلي، حيث أدلى بتصريحات دعت إلى استخدام "اليد الحديدية" ضد المدنيين الفلسطينيين، و"تقييد تحركاتهم" في الضفة الغربية والقدس.
سبق وكتبت أن حكومة نتنياهو لا تكترث لشأن أسراها, ولايعنيها غير بقائها السياسي عبر تنفيذ مخطط أكثر شمولا وقدما من أحداث السابع من أكتوبر 2023, صحيح أن إسرائيل استغلت السابع من أكتوبر أسوأ استغلال, لكن حتى لو لم تكن هذه الأحداث قد وقعت بالفعل, فليس معنى هذا أن إسرائيل لم تكن لتمضي في مخططها, فهي تتصرف وفق أجندة خاصة تستهدف تدمير الوجود الفلسطيني في أرضه و ليس -تدمير حماس كما تزعم- حكومة الاحتلال خططت من قبل السابع من أكتوبر لتغيير الوضع التاريخي والسياسي في أرض فلسطين التاريخية، بمعنى إجهاض حلم الدولة الفلسطينية وتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية ذات بعد أمني وإنساني واقتصادي فقط بعيدًا عن البعد السياسي للقضية.
السؤال هنا: لماذا في هذا التوقيت تحديدا صرح سموتريتش و بن جفير هذه التصريحات الأكثر فجاجة وعدائية في توقيت واحد ؟ والإجابة ببساطة أن الوزيرين المتطرفين لاحظا كم الضعط على نتنياهو لإبرام صفقة لتبادل الرهائن, قد تنتهي بإيقاف هذه الحرب, وخروج إسرائيل من غزة لاسيما, مع الإعلان المتكرر من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في إعادة الرهائن و إنهاء الحرب, في ظل تصاعد الانتقادات داخل المجتمع الإسرائيلي ضد أداء حكومة نتنياهو في ملف الأسرى.
توقيت التحركين لسموتريتش و بن جفير يعكس بلا شك ما يشعر به اليمين المتطرف من خطر قرب إنجاز صفقة وإحساس الوزيرين بأن نتنياهو قد لا يستطيع فعل أي شيء مستقبلا إذا كانت هذه رغبة الرئيس دونالد ترامب, و بناء عليه تحرك بن جفير إلى واشنطن ليحرض من هناك ويحشد رأيا عام أمريكيا يدعم موقفه, بينما تبني سموتريتش موقف المواجهة مع أهالي الأسرى لإخبارهم بما وصفه ب"الحقيقة" قائلا: إن أبناءكم ليسوا في حساباتنا بينما نحن نخطط لإسرائيل الكبرى بحد زعمهم و أوهامهم.
الشاهد الآن أن العائق الحقيقي أمام إتمام أي صفقة لتبادل الأسرى و وقف إطلاق النار هو سموتريتش و بن جفير, وأن محاولة بنيامين نتنياهو المواءمة بين رغبة ترامب و جهود الوسطاء من جانب و رغبة اليمين المتطرف من الجانب الآخر ستبقي على المعادلة صفرية, بمعني لن تتحرك خطوة للإمام إلا إذا أراد الرئيس ترامب فتح هذه الدائرة.