رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

حين يعلو صوت الضجيج والحناجر العنترية التى تقذف الناس بالباطل وتشوه الحقائق فوق العقل، يصبح المشهد مقلقًا. ففي عصر تحولت فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى منابر للرأي العام، نواجه ظاهرة مثيرة للقلق: صعود أصحاب الآراء الأكثر ضجيجًا وليس بالضرورة الأكثر علمًا. فبين عشية وضحاها، يتحول شخص إلى "خبير اقتصادي" لأنه يملك آلاف المتابعين، أو إلى "مستشار سياسي" لأنه يجيد صناعة المحتوى الجذاب. هذه الظاهرة تطرح سؤالًا خطيرًا: هل يمكن أن نثق في معلومات يقدمها أشخاص لا يملكون أدوات التحليل العلمي، ولا الخبرة العملية، لكنهم يجيدون إثارة الجدل؟

لم تعد الشهادات العلمية أو الخبرة الميدانية شرطًا لامتلاك صوت مؤثر. اليوم، يكفي أن يكون لديك: لغة جذابة تلامس مشاعر الجمهور، وقدرة على تبسيط الأمور المعقدة (حتى لو بتحريف الحقائق)، واستغلال الأزمات لصناعة محتوى عاطفي ينتشر بسرعة. المشكلة أن هذه الآراء، رغم عدم دقتها، تتحول إلى حقائق في أذهان الملايين، خاصة عندما تقدم في قوالب درامية أو ساخرة.

الجمهور يفضل "السهل الممتنع": غالبًا ما يختار المتابعون المحتوى السريع الذي لا يتطلب جهدًا عقليًا، بدلًا من التقارير المعمقة. والمنصات تروج للمحتوى المثير بغض النظر عن صحته، لأنه يحقق تفاعلًا أعلى. لا توجد آليات فعالة لتحقيق الشفافية حول خلفيات المؤثرين أو مصادر معلوماتهم.

عندما يتحول النقاش حول القضايا الكبرى (مثل الاقتصاد، الصحة، السياسة) إلى جدل و مناظرات على صفحات السوشيال ميديا تظهر كوارث مثل: تضليل الرأي العام بمعلومات غير دقيقة، و تقليل ثقة الجمهور في المتخصصين الحقيقيين، الذين قد يبدون "مملين" مقارنة بمن يجيدون الإثارة.

ولكي نحمي أنفسنا من التضليل، لا بد من البحث عن مصادر موثوقة قبل تصديق أي معلومات، ومطالبة المنصات بالشفافية، مثل إضافة علامة "رأي شخصي" أو "غير مدعوم ببيانات" للمحتوى غير المتخصص، ودعم المتخصصين الحقيقيين بمشاركة تحليلاتهم وعدم الانجرار وراء الإثارة.

في الماضي، كان الخبراء يُختارون بناءً على كفاءتهم، أما اليوم، فأصبح "البطل" هو من يجيد اللعب على وتر المشاعر، بغض النظر عن الحقائق.

لكن التاريخ يذكرنا دائمًا: الأمم التي تسمح للصوت الأعلى أن يكون هو الأقل علمًا، تدفع ثمنًا باهظًا. فهل نتعلم من الدرس قبل فوات الأوان؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة