رسالة
حذرنا في مقال سابق "احتلال العقول" من غزو عقول أبنائنا وترويضها على الثقافة الغربية عبر منصات ترفيهية فى ظاهرها "أفلام الكرتون والألعاب الإلكترونية" ايدلوجية فى حقيقتها تشوه القيم وتشكل وعيا مغايرا لعاداتنا وتقاليدنا.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال أداة أخرى لا تقل خطورة وتأثيرا في طمس الهوية، وهي استخدام الفئات الأكثر شهرة، وأقل وعيًا وثقافة، لتمرير رسائل وسلوكيات منحرفة عن عادتنا وتعاليم ديننا.
تجلى ذلك مؤخرًا فيما ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي حول ظهور الممثل محمد رمضان بزى استعراضى أقرب في تصميمه إلى ملابس النساء منه إلى ملابس الرجال، خلال مشاركته في مهرجان كوتشيلا بالولايات المتحدة الأمريكية في مشهد لا يخلو من رسائل مبطنة.
دعوة رمضان كأول فنان مصري يحيى حفلا على مسرح مهرجان كوتشيلا وهو الممثل لا المغنى؛ لتقديم "نموذج" يسعى للتكرار، ورسالة مغلفة ببريق الشهرة للشباب المصرى: هذا هو الجديد فواكبوه.
استخدام الممثل بالمهرجان الغنائى! ليس الاول، فقد سبق أن أثار جدلاً واسعًا بعناقه 3 مشاهير إسرائيليين، لم يكن تلقائيًا، كانت عملية ممنهجة تبدأ بالصدمة ثم التكرار، إلى أن يتحول الشذوذ إلى مألوف.
أعماله الفنية التي روجت للعنف، وقدمت البلطجة كبطولة، والربا كتجارة والانحلال كتحرر، والتفاهة كفن. فصار القاتل نجمًا، والراقصة قدوة، والتشوه تميز ومُزيف الوعى صاحب رسالة. ليسهم بذلك في تفكيك منظومة القيم لدى الشباب، وتغذية السلوك العدوانى.
رمضان ليس ظاهرة فردية، هو نموذج مكرر عبر وجوه عديدة. نجوم كُثر يقدمون أنفسهم كواجهة للحضارة، بينما هم أدوات ناعمة في معركة تزييف الوعي. يظهرون بثقافة مستوردة في الملابس، القصات، الحديث، لتطبيع مجتمعاتنا على نمط حياة غربية.
خطورة المشاهير لا تكمن في أفعالهم فحسب، بل في التأثير الذي يمارسونه على جمهورهم. شهرتهم تضفي مصداقية وهمية على جمهورهم، يقتدى بأفعالهم وإن كانت مخالفة للعقل أو المنطق؛ وهكذا تتحول الشهرة إلى أداة تسويقية لقيم لا تمثلنا، تباع فيها الأوهام باسم الحرية، ويُعاد تعريف الهوية بمقاييس السوق الغربية.
رسائل البعض عبر المسلسلات تسوق لتمرد مُفرغ من المعنى، أو عبر منصات تكرس التبعية والاغتراب وتزين القبح تحت شعار الفن الحديث والنتيجة اذابة الانتماء للأمة والقومية العربية، واستبداله نظريًا بالانتماء للمجتمع الإنسانى.
ما نراه من تغريب هو امتداد لمشروع استعمارى يسعى لإذابة الشعوب داخل قوالب غربية تنتزع خصوصيتهم الدينية والثقافية، لصالح منظومة رأسمالية ترى الإنسان مستهلكًا بلا هوية.
نحن أمام معركة هوية ووعي وانتماء مسؤوليتنا لا تقتصر على النقد، تمتد إلى بناء الوعى ومحاربة المشروعات الاستعمارية التى تستهدف أمننا القومى، فاحتلال اليوم احتلال عقول.
المشروع الذى يعمل عليه المسلمانى بتوجيه رئاسى بتعزيز القيم في صناعة الدراما والسينما، ومواجهة العنف والجريمة، وإشعال الصراع المجتمعي، والانحراف السلوكي. يعيد للفن دوره كقوة ناعمة يحافظ على الحضارة المصرية ويتصدى لمحاولات محو الهوية الاسلامية والعربية.
وتُعَد العولمة أخطر الأسلحة الأمريكية في استهداف الهوية العربية والإسلامية، قادرة على اقتحام المساحات الخاصة، لا تُعيقها حدودٌ ولا تردعها حواجز؛ تفرض أنماطاً ثقافية غربية على الدول النامية خاصة، لخلط الحضارات، وإذابة خصائص المجتمعات ونسف هوياتها، وتهميش عقائد الشعوب الدينية، وهيمنة الثقافة الرأسمالية.
تشيع العولمة الحياة المادية والإلحادية عبر شبكاتها وأجهزتها العالمية وتحطيم الثوابت الدينية والفكرية والأخلاقية للوصول إلى إنسان هامشى، دون جذور ثابتة، يذوب بسهولة في بحر الثقافة الغربية.
ويعد مشروع الشرق الأوسط أداه أوروبية لطمس الهوية العربية، بفرض مفهوم إقليمي بهدف غرس الكيان الصهيونى فى الجسد العربى والتطبيع معه من خلال مشاريع شرق أوسطية ومتوسطية بدءًا بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي جاء به شيمون بيريز، ثم الشرق الأوسط الكبير الذي دعت اليه إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.
كذلك القوى الطامعة فى الدول العربية، يجمعها الطمع في ما تبقى من جسد العالم العربي، ومحاولة إعادة تشكيله بما يخدم مشاريعها وان اختلفت.
ما تحدثنا عنه فى مقالنا هذا أو السابق لا يعد سوى قشور من مخططات تحاك وتنفذ بدقة مُستهدفة كل ما هو عربى أو إسلامى. والسؤال الآن: هل سنظل نلعب دور الضحية، أم سننتفض ونغير النهاية التى يريدوها لنا؟