رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

في لحظة فارقة عقب صلاة عيد الفطر خط شعب مصر لوحة بديعة باصطفافه المهيب خلف الرئيس عبد الفتاح السيسي رافعا صوتا مدويا يرفض بقوة مخططات التهجير ونقل إخوانه الفلسطينيين إلى أراضي مصر والأردن لم تكن هذه لحظة تضامن عابرة بل بيان صلب هز أركان العالم معلنا أن مصر بشعبها وقائدها حائط لا يُخترق أمام أي محاولة للقضاء على القضية الفلسطينية أو توريطها في مستنقع النزاع على ترابها المقدس هذه الصورة التي جسدت تلاحم الشعب المصري مع قيادته السياسية ليست وليدة اليوم فمصر ليست مجرد بقعة على الخريطة بل رمز حضاري عتيق يتحمل أمانة حماية المنطقة العربية بأسرها.

وإيماني الراسخ بأن عبارة "شعبها هو جيشها" ليست مجرد كلمات تردد بل حقيقة عميقة تتجلى في أحلك اللحظات حين يصبح الشعب والقيادة قلبا واحدا لصد التحديات اليوم تقف مصر أمام خطر متفاقم يتمثل في الحلم الصهيوني التوسعي من النيل إلى الفرات الذي يظهر جليا في تدمير الجيوش العربية تباعا من العراق إلى سوريا مع إشارات واضحة إلى أن الجيش المصري قد يكون التالي في القائمة لكن رؤية الرئيس السيسي جعلت مصر تتحصن بقوة لم تعهدها من قبل لدحض هذا التهديد.

تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي شهدت مصر نهضة عسكرية استراتيجية إذ أدرك بحكمة أن الاعتماد الأحادي على مصدر تسليح واحد لا سيما الولايات المتحدة المتحالفة مع إسرائيل قد يعرض أمنها القومي للخطر فبادر إلى توسيع آفاق الشراكات العسكرية فعقدت مصر صفقات مع روسيا لامتلاك مقاتلات سو-35 المتقدمة ومع فرنسا لتزويد جيشها بطائرات رافال وفرقاطات FREMM ومع ألمانيا لتعزيز أسطولها البحري بغواصات Type 209 الحديثة ولم تكتف بذلك بل أدخلت حاملات طائرات ميسترال وكورفيتات جوويند لتأمين حدودها البحرية في المتوسط والبحر الأحمر إلى جانب تطوير صناعاتها العسكرية المحلية بإنتاج مدرعات تمساح وصواريخ مضادة للدبابات كما صنعت العديد من الأسلحة التي يعتمد عليها الجيش وطورت طائرات مسيرة وأضافت إلى ترسانتها الدبابات الأمريكية M1-A1 التي تعد من أفضل ثلاث دبابات في العالم ولم تتوقف عند هذا الحد بل تسعى مصر بجد للحصول على اعتماد دولي لصيانة وعمرة محركات دبابات إم1أي1 أبرامز في مشروع طموح يعكس التزامها بتعزيز بنيتها الدفاعية واستقلاليتها العسكرية هذه الرؤية البعيدة المدى حولت الجيش المصري إلى قوة عصرية متعددة القدرات جاهزة لحماية حدودها البرية والبحرية متأهبة لصد أي تهديد خارجي بكفاءة واستقلالية متمركزة بقوة في سيناء لمواجهة التواجد العسكري الإسرائيلي الذي يحتل المعابر الفلسطينية على حدودها رافضة مطالب إسرائيل بتفكيك بنيتها العسكرية هناك تلك المطالب التي تهدف إلى تشتيت الرأي العام الإسرائيلي والعالمي عن جرائم نتنياهو في رفح وانتهاكاته للهدنة.

هذا التدمير جزء من رؤية من النيل إلى الفرات التي تروج لها إسرائيل عبر خريطة تشمل مصر فلسطين الأردن سوريا لبنان وأجزاء من العراق والسعودية تحت اسم "مملكة داود" هذه الرؤية المبنية على نصوص توراتية تفتقر إلى أساس تاريخي إذ يؤكد علماء مثل إسرائيل فينكلستاين ونيل آشر سيلبرمان أنها اختلاق أدبي ويشدد توماس تومبسون على أن الآثار لا تثبت وجود إمبراطورية مترامية لكن إسرائيل حولت هذه الأسطورة إلى خطة تنفيذية مستندة إلى الدعم الأمريكي لتقويض الدول العربية وفرض سيطرتها وبعد العراق وسوريا وفي أعقاب ما سُمي الربيع العبري اتجهت الأنظار نحو مصر حيث أشعلت المنطقة في ليبيا بتفتيتها والسودان بالحروب الأهلية ومحاولات التقسيم واليمن بضرب السفن لتعطيل قناة السويس وإضعاف اقتصاد مصر وسد النهضة بدعم لإثيوبيا لحجب مياه النيل في سلسلة مؤامرات استهدفت مصر مباشرة وصولا إلى محاولات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء وهي ليست مجرد أزمة إنسانية بل محاولة لجر مصر إلى صراع مباشر حيث يمكن أن تستغل أي مواجهة مع إسرائيل كذريعة لضرب الجيش المصري بهدف إنهاء القضية الفلسطينية وتحويل مصر إلى ساحة حرب مما يجعلها هدفا في قلب المخطط الصهيوني.

ما جرى في سوريا مؤخرا كما وثقته نيويورك تايمز يكشف نمطا ينذر بتهديد الجيش المصري إذ أقامت إسرائيل مواقع عسكرية في القنيطرة ودرعا مزودة بأبراج مراقبة وطرق وتحصينات متجاوزة حدود المنطقة العازلة أسست منطقة أمنية بعمق 15 كيلومترا تضم 9 قواعد ومنطقة نفوذ تمتد 65 كيلومترا في دلالة على احتلال دائم ودمرت غاراتها اليومية البنية العسكرية السورية من طائرات وأسطول ضمن استراتيجية الجنرالات لنتنياهو مما يوحي بأنها قد تتبع النهج ذاته مع مصر إذا سُمح لها لكن الرئيس السيسي اتخذ خطوات استباقية لضمان ألا يصيب الجيش المصري مصير العراق وسوريا موجهًا نحو تنويع التسليح بعيدا عن أمريكا جاعلا الجيش قوة متكاملة تحمي حدودها من سيناء إلى سواحلها.

تاريخ مصر شاهد على أن وحدة شعبها وقيادته هي سلاحها الأقوى الذي تحطمت عليه أحلام كل معتد من الهكسوس إلى الصليبيين واليوم يتطلب دحض التهديد الصهيوني تلك الروح ذاتها موقف الشعب المتماسك خلف قيادته كما بدا في لحظات حاسمة رسالة مدوية بأن مصر لن تكرر مصير العراق وسوريا، جيشها بتجهيزاته المتطورة خط الدفاع الأول لكنه يستمد عزيمته من إرادة شعبها والخطر لا يقتصر على إسرائيل فهناك من يهدد أمنها المائي بسد النهضة ويزعزع السودان.

أخيرا

مصر اليوم على مفترق طرق إما أن تكون الحصن الذي يسحق أحلام التوسع الصهيوني أو تترك نفسها لمخططات التفتيت، رؤية السيسي بتسليح متطور وتنوع استراتيجي جعلت جيشها جاهزا لكل مواجهة لكن النصر مرهون بوحدة شعبها الجيش الحقيقي الذي يصون الأرض والهوية فالاصطفاف خلف السيسي سلاح مصر الأقوى ومصر لن تكون الضحية التالية بل قوة تكتب مصير المنطقة حفظ الله مصر وشعبها فهي درع الأمة ورمحها الذي لا ينكسر.

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة