ما حدث في لقاء البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالي ترامب ونظيره الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، كان سابقة تاريخية لم تحدث من قبل، وهو ليس لوحة سيريالية كما وصفها البعض، لكنه صورة مجردة وحقيقية عن موازين القوى عندما تتحدث بعيدا عن لغة الدبلوماسية.
لن نسرد ما دار في اللقاء الذي تابعه الملايين، وكشف بوضوح عما يدور في مطابخ وأروقة صناعة القرار السياسي.. فقد كان اللقاء اشبه بكمين محكم نصبه ترامب لضيفه الثقيل الذي كان من المفترض ان يوقع علي "صفقة المعادن" المهينة والمذلة الا ان الأخير افلت منها ، وتأجل التوقيع لحين اشعار اخر. أما النتائج فيمكن وصفها بالكارثية علي أوكرانيا بالدرجة الاولي التي أصبحت منفردة في مواجهة الدب الروسي مع بعض الدعم الأوروبي الهزيل الذي لن يغني من جوع.. علي الجانب الاخر فالنتائج عظيمة لروسيا بلا شك.
لم تعد السياسة كالسابق عبارة عن جبل من الثلج في المياه قمته فقط ظاهرة والباقى في غياهب المحيط.. الان انعكست الصورة تماما.. الجميع يعلن عن رغبته صراحة ودون أى مواربة أو مراوغة طالما يمتلك في يده موازين القوى حتى لو كان ما يقوله ضد الحقيقة والحقوق التاريخية والجغرافية وربما الإنسانية.
السيناريو الذي وضعه ترامب لانهاء الصراع في أوكرانيا خير شاهد.. بين ليلة وضحاها تحولت القضية الأمنية والتاريخية التي اندلعت بسببها حرب امتدت لثلاث سنوات وراح فيها مئات الالاف الي مجرد "صفقة معادن". او هكذا أرادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.. وحتي المشهد المٌؤجل لتوقيع زيلينسكي علي الصفقة في البيت الابيض سيكون مذلا مهينا، فهو سيوقع علي عقد استغلال لمعادن بلاده بمليارات الدولارات وفي نفس الوقت يقر باحقية الأراضي التي استولت عليها روسيا، وفوق ذلك عدم دخول بلاده في حلف الناتو ، وهو الحلم الذي من أجله قامت الحرب.. وليس هذا وحسب لكن وبالإضافة لما سبق فقد وافق زيلينسكي سلفا علي تنحيه من السلطة.
المشكلة ان اتفاقية المعادن المذلة لا تحتوي على أي ذكر للضمانات الأمنية التي أصر عليها الجانب الأوكراني منذ البداية. وتنص الوثيقة النهائية، على إنشاء الولايات المتحدة وأوكرانيا صندوق استثمار لإعادة الإعمار لجمع وإعادة استثمار الإيرادات من الموارد الأوكرانية مثل المعادن والهيدروكربونات وغيرها من المواد القابلة للاستخراج. وتنص الاتفاقية على أن تساهم أوكرانيا في الصندوق بنسبة 50% من الإيرادات مطروحا منها نفقات التشغيل، وتستمر المساهمة حتى تصل إلى مبلغ 500 مليار دولار.
كما ستقدم الولايات المتحدة التزاما ماليا طويل الأجل لتنمية "أوكرانيا لتكون مستقرة ومزدهرة اقتصاديا".
وتركت الوثيقة علامات استفهام كبيرة حول ما يخص حجم الحصة الأمريكية وشروط اتفاقات الملكية المشتركة، حيث بقيت الولايات المتحدة هي المستفيد من الصندوق بنسبة 100 %.
ووفقا للبيانات الرسمية، تمتلك أوكرانيا 22 من أصل 34 معدنا يصنفها الاتحاد الأوروبي معادن بالغة الأهمية. وتمثل احتياطيات أوكرانيا من الجرافيت، المكون الرئيسي في بطاريات السيارات الكهربائية والمفاعلات النووية، 20% من الموارد العالمية.
ولدى سؤاله عما ستحصل عليه أوكرانيا في مقابل صفقة المعادن، أشار ترامب إلى ما قال إنه مبلغ 350 مليار دولار قدمته الولايات المتحدة بالفعل "والكثير من... المعدات العسكرية والحق في مواصلة القتال". وفي حين أن صفقة المعادن قد تبدو وكأنها "نوع من القرصنة" لمعظم العالم، فهي ضرورية لنيل دعم ترامب والمشرعين الجمهوريين.
علي كل حال ليست هذه قصة الابتزاز الوحيدة في عالم السياسة، فأثناء الحرب العالمية الثانية وتحت وطأة الهجمات الجوية الألمانية علي لندن توجه رئيس الوزاء البريطاني ونستون تشرشل الي واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت فرنكلين روزفلت كي يطلب منه المساعدة لصد الهجمات الألمانية الساحقة، ووجدها الأخير فرصة جيدة للضغط علي تشرشل والحصول منه علي جزر ومناطق في القارة الامريكية تقع تحت السيطرة البريطانية لصالح واشنطن، وتحت الضغط وافق تشرشل، وقال كلمته الشهيرة: "سيدي الرئيس انت تتعامل معي بطريقة المرابي شيلوك".
يتعاطي ترامب مع السياسة بطريقته الخاصة جدا وغير المتعارف عليها سابقا، بل انها في بعض الأحيان لها جوانب اخرى .. فسلسلة التنازلات التي اجٌبر عليها الرئيس الأوكراني لها جانب شخصى بالنسبة للرئيس الأميركي، بعد ان أغضبه زيلينسكي كثيرا وتصاعد الصراع بينهما إلى حرب كلمات لدرجة أخافت الحلفاء الأوروبيين الذين باتوا يشعرون بالقلق بشأن طريقة حل النزاع الذي يعتبرونه يقدم مكافآت عديدة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فلدي ترامب أسبابه الشخصية لاذل الرئيس الاوكراني، وجميعها وقت في شهر فبراير من هذا العام.. الاولي كانت في ١٢ فبراير، حين التقى وزير الخزانة سكوت بيسنت بزيلينسكي في كييف لتقديم اقتراح من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى الحقوق المعدنية الأوكرانية مقابل الحماية الأمريكية بحكم الأمر الواقع.
لكن الأخير تهرب، وبعدها قال ترامب أمام الصحفيين إن زيلينسكي كان "وقحا" وأرجأ اجتماعه مع بيسنت لأنه نام".
وبعدها بيومين في مؤتمر ميونيخ الأمني، التقى جي فانس نائب ترامب وروبيو بزيلينسكي للحصول على موافقته على صفقة حقوق المعادن. لكن المسؤولين قالوا إن زيلينسكي فاجأ الأمريكيين بالقول إنه ليس لديه سلطة الموافقة عليه من جانب واحد دون برلمان. وفي اليوم التالي رفض زيلينسكي علنا العرض في المؤتمر. وفي 18 فبراير، بينما كان روبيو والتز والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف مع المفاوضين الروس في المملكة العربية السعودية للحديث عن السلام، انتقد زيلينسكي الاجتماع بسبب حدوثه بدون أوكرانيا على الطاولة. الامر الذي اغضب ترامب وأعلن في مؤتمر صحفي في مار لاغو، أن زيلينسكي بدأ الحرب مع روسيا بموافقة بنسبة 4٪ فقط من البرلمان. وفي اليوم التالي مباشرة رد زيلينسكي، قائلا إن الرئيس الأمريكي "يعيش في مساحة تضليل الاعلام الروسي". ثم صعد ترامب الضغط من خلال النشر على منصة "ثرو" الاجتماعية أن زيلينسكي، الممثل السابق، كان "ممثلا كوميديا ناجحا بشكل متواضع" أصبح "ديكتاتورا بدون انتخابات"، ليس هذا فقط لكنه رفض في الوقت نفسه رفض وصف بوتين باعتباره دكتاتورا.
ترامب الذي "يشخصن" الصراعات لديه ايضا عقدة خاصة منذ انتخابات ٢٠١٩، فهو يري ان جو بايدن وفريقه تلاعب في نتائج الانتخابات وقام باذلاله بعد وصوله الي البيت الابيض من خلال قائمة طويلة من التحقيقات القضائية استمرت فترة ولايته، لذلك لا توجد أي ازمة في العالم الا وانحي ترامب باللائمة علي بايدن بانه السبب في اندلاعها.. وبالنسبة للوضع في أوكرانيا فهناك اكثر من سبب أولها انه كان يعارض المساعدات العسكرية الأمريكية للبلد، فضلا عن انه ناقم بصورة شخصية علي زيلينسكي لانه تعاقد ابن جو بايدن لانشاء شركة غاز أوكرانية مكافأة له علي ما يقدمه والده من دعم!
في ولاية ترامب الأولى، كان المشهد الدولي هادئا إلى حد ما. لم تكن هناك حروب كبيرة. الان الصورة تغيرت أمام الرجل الذي يسعي الي جائزة نوبل للسلام بكل قوة، وهو نفسه الذي أعلن في خطاب توليه المسئوليه انه سينهي الحروب التي اشعلتها إدارة بايدن، ولكن اليوم، حرب كبيرة مستعرة في أوروبا، والشرق الأوسط في حالة من الفوضى، والنظام الدولي القديم في حالة من الفوضى. قد يؤدي التقاء تلك العوامل إلى كارثة لا يحمد عقباها، فضلا عن سلسة كبيرة من الحروب التجارية والأمنية مع الصين وتايوان أوروبا.
صحيح الرجل ليس لديه أي مانع من التعامل مع جميع الفرقاء وتغيير قواعد اللعبة وتبديل الحلفاء التقليديين باخرين علي غرار ما نراه من انسجام وانفتاح سياسي واقتصادي مع روسيا مقابل التخلي الحذر عن أوروبا وامنها الذي كان في قائمة أولويات السياسة الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الا ان عملية التحول تلك لها الكثير من المخاطر اهمها انها تحتاج الي سنوات عديدة تفوق كثيرا فترة ولايته التي لن تتعدي الأربع سنوات، وقد لا تؤدي دبلوماسيته إلى اختراقات كبيرة، بما يعني إعادة عقارب الساعة الي الوراء وينقلب الانفتاح الترامبي الي كارثة علي من سيخلفه.. عموما ربما لا يصبح ترامب صانع سلام مؤقت، ولكن يمكنه المساعدة في الدخول الي عالم أقل تمزقا للحرب حتي لو كان من خلال الصفقات.