رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ما يحدث في سوريا من زيارات لقيادات سياسية غربية وعربية ودعم اقتصادي غير مسبوق هي هرولة غير منطقية لاضفاء شرعية على جماعة مصنفة دوليا على انها جماعة "إرهابية" لاتمتلك أى سند دستوري أو قانوني لحكم هذا البلد الذي انهكته الحرب الاهلية والدينية منذ 2011. المهرولون وكأنهم في سباق مع الزمن لتهيئة الأجواء لتلك الجماعة للمضى قدما بإصرار لانجاح نموذج سوريا الجديدة بغض النظر عمن يتولى قيادة الأمور هناك. بالتالي فنحن أمام عملية تسويق مرعبة لتمرير نظام إرهابي وغسل سمعته يشارك فيها الجميع بميزانيات مالية مفتوحة ومفضوحة.
في حقيقة الأمر، هناك تفاوت حاد بين مايريده الغرب من نظام سوريا الجديد وما يريده العرب.

بالنسبة للدول الغربية فهي تضع نصب أعينها قضيتين غاية في الأهمية، الأولى ، زيادة معدلات الهجرة غير شرعية اليها من دول الجنوب أو من الدول التي تعاني من قلاقل سياسية وحروب أهلية، وهذه الهجرة تسبب لها العديد من المشاكل الاجتماعية والأمنية والاقتصادية لدرجة أدت الي أن الناخب أصبح يفضل الأحزاب اليمينية والقومية الداعية التي تتبنى نهجا متشددا ضد المهاجرين حتى ولو كان هذا ضد مبادئ حقوق الإنسان والحريات ، ويمكن أن نشاهد هذا في نتائج الانتخابات التي جرت في فرنسا وإيطاليا وحتى بريطانيا وقريبا في المانيا، القضية الثانية وهى مرتبطة الى حد كبير بالأولى المتمثلة في زيادة وتيرة العنف والتطرف وانتشار عمليات الذئاب المنفردة في معظم البلدان الأوروبية، وسقوط عشرات الضحايا فضلا عن الخسائر المادية الكبيرة ، وهذه الظاهرة أدت الى زيادة التكلفة الأمنية الى أكثر من أربع اضعاف عما كانت عليه قبل عشر سنوات وذلك طبقا للتقارير الصادرة من موقع الاتحاد الأوروبي.

هاتان القضيتان هما الدافع وراء الهرولة الغربية، سعيا لايجاد نموذج عربي اسلامى بمواصفات تتلائم مع متطلباتهم، معتقدين ان ذلك يمكن أن يكفيهم شر زيادة الهجرة والهجمات الإرهابية سواء بالاتفاقات الأمنية أو من خلال تعهدات بلجم تلك الجماعات المنفردة وقطع التمويل عنها.
بالنسبه للعرب، فالوضع مختلف تماما.. بعض تلك الدول كانت ولا زالت هي الممول الرئيسي للاسلام السياسي المتطرف، باعتباره ورقتها الرابحة للعب دور مؤثر في المنطقة، حتى لو كان أكبر من قدراتها السياسية والعسكرية والتاريخية، والبعض الاخر اضطر للدخول الى السباق لتأمين وضعه الداخلى ضد بعض اللاعبين الاقليمين الذين تراجعت ادوارهم بعد حرب السابع من أكتوبر، وفى كل الأحوال فان اغلب تلك الأطراف مازالت تتحسس طريقها قبل ان تحسم أمرها النهائي بوصول الإدارة الامريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب الى البيت الأبيض.
هناك لاعب أخر لا يجب اغفاله وهي إسرائيل التي كانت تعتبر على مدى أكثر من نصف قرن ان بقاء نظام الأسد بالنسبة لها مصدر أمن واستقرار، ويكفي ان جبهة الجولان ظلت هي الوحيدة التي لم تشهد طلقة نار منذ نهاية حرب عام 1973، دون وجود اى اتفاقية سلام بينهما. وكان من الغريب ان توافق تل ابيب على إزاحة الأسد وإستبداله بنظام اسلامى جهادي متطرف ومصنف إرهابي عالمي دون مقابل، لكن الساعات الأخيرة جاءت بالاجابة عندما وقعت إدارة بايدن على أكبر صفقة أسلحة في تاريخ إسرائيل تقدر بأكثر من 8 مليار دولار، فضلا عن انها كانت قد حسمت ملف سلاح الجيش السوري سابقا عندما قامت بتدميره نهائيا من خلال المئات من الهجمات الجوية على مخازنه وموانئه ومعسكراته وحتى مراكز أبحاثه.
في نظر العديد من الباحثين والمحللين، ينظر إلى أبو محمد الجولاني، زعيم حركة هيئة تحرير الشام، على أنه شخصية براغماتية. ومع ذلك، فإن هذا التصور، الذي تم تشكيله في المقام الأول من خلال الرؤية الثقافية للغرب، يعكس تحيزات وتفسيراتهم أكثر من الواقع المعقد في الشرق الأوسط.
ويميل صناع القرار السياسي هناك إلى تبني تحيز ثقافي غربي عند محاولة فهم بعض القيادات في المنطقة العربية وأسلوب اتخاذهم لقراراتهم المصيرية، ترتكز على ان هؤلاء القادة يتطلعون الي الاستقرار السياسي والاقتصادي وتعزيز الانسجام الدولي. لكن في واقع الامر فان الشرق الأوسط، مازال الي الان اسير تطورت ثقافة قبلية وعرقية ودينية، تميزت بالصراعات الإقليمية والحروب الدينية، ولا تزال تشكل المنطقة حتى اليوم. وفي حين أن الحروب الدينية في الغرب أصبحت شيئا من القرون الماضية، إلا أنه على سبيل المثال لاتزال الصراعات بين السنة والشيعة وبين المجموعات العرقية المختلفة في الشرق الأوسط عاملا رئيسيا في الصراعات الإقليمية. ولم تصل بعد الى صياغة ثوابت مشتركة تنهى هذه الإشكالية المعقدة.
لذلك فإن الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى أبو محمد الجولاني تعاني من تشويه كبير في الفكر نابع من الفجوة بين القيم الغربية والواقع الشرق أوسطي وهي عميقة وكبيرة.

ومن أجل سد الفجوة بين توقعاتهم والواقع، يفسر المسؤولون الغربيون سلوك الجولاني على أنه علامة على التغيير. إنهم يرون اختياره لارتداء الملابس الغربية، وتجنب العنف المفرط ضد السكان والمدنيين في سوريا، واستخدام اللغة الدبلوماسية كدليل على البراغماتية.

ومع ذلك، من الناحية العملية، لا تعكس أفعاله القيم الغربية، بل استراتيجية إسلامية واضحة تعرف باسم "التقية" وهي ان يكون الظاهر عكس الباطن. ويمكن ملاحظة ذلك في أحد التكتيكات الرئيسية للجولاني هو استخدام المصطلح الإسلامي "هدنة" - وقف مؤقت للأعمال العدائية. ويسمح بالهدنة عندما يكون المسلمون في موقف ضعف، بهدف تعزيز وتجديد القتال في المستقبل.
الصدمة قادمة لا محالة عندما يستفيق الغرب من الوهم المتمثل في تفسيراتهم الخاطئة لأقوال وأفعال أبو محمد الجولاني على أنها علامة على التقدم الإسلامي أو الإصلاح.

لكن الحقيقة البسيطة هي أن الجولاني لا يزال جهاديا أيديولوجيا لا تشمل أهدافه طويلة المدى السلام أو الازدهار من الناحية الغربية. لكنه متطرف يستغل الدبلوماسية والتاريخ الديني والافتراضات الغربية الخاطئة لتحقيق أهدافه واغراض مايؤمن به هو واتباعه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة