حقق دونالد ترامب فوزا تاريخيا غير مسبوق في سجل الانتخابات الامريكية، ونجح في قلب الطاولة علي رأس الجميع، بداية من شركات صناعة السلاح، الي القاطنين في وادي السيلكون مرورا بامبراطوريات الصحافة والاعلام العريقة التي حاولت تسيس كل استطلاعات الرأي لصالح منافسته الباهتة كاميلا هاريس، والأكثر انه بعد ان تجاوز كل تلك العقبات نجح في الوصول السريع والحاسم الي النتخب الأمريكي مباشرة من خلال لغة القوة، وعبارة" سنعيد المجد لامريكا من جديد".
من يتذكر ترامب بعد هزيمته المثيرة في انتخابات ٢٠٢٠ امام الديمقراطي جو بايدن، لم يكن ليتخيل ان هذا الرجل سيعود مجددا بعد أربع سنوات ليحقق مثل هذا الانتصار رغم كل الاتهامات والقضايا والفضائح الجنسية والفساد المالي وغيره متجاوزا عقبات قانونية يكاد يكون من المستحيل القفز عليها طبقا للقانون الأمريكي.
علي أي حال عاد الرجل ليشهر سيفه ضد كل من تنمر عليه او استهان بقدرته السياسية ظنا منهم ان جل خبرته تنحصر في المال والاعمال والعقارات فقط.
داخليا من المتوقع أن ينفذ ترامب مع صديقه اليون ماسك خططه الطموحة لتقليص النفقات الحكومية على جميع المستويات وتوسيع سلطات الرئاسة بشكل أكبر مما كان عليه في ولايته الأولى. وهناك قائمة انتقام طويلة يعتزم ترامب تصفية حسابه معهم تضم كبار الشخصيات السياسية في أمريكا بداية من بايدن وهاريس وباراك أوباما وهيلاري كلينتون ونانسي بيلوسي ومؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج، فضلا عن قائمة اخري للمحامين والمدعين العاميين.
خارجيا وبين ليلة وضحاها استيقظ حلفاء الولايات المتحدة وخصومها في جميع أنحاء العالم يوم الأربعاء على تولي ترامب فترة رئاسة ثانية. كان العديد من حلفاء أمريكا الغربيين قلقين بشأن عودة إدارة ترامب، المؤمن بشعار "أمريكا أولا" والذي يمكن أن يغير بشكل كبير السياسة الخارجية الأمريكية ومشاركتها وتفاعلها مع ما يسمي ب "العالم الحر". وحتى قبل اعلان ترشحه للرئاسة ادعى ترامب أنه سيكون قادرا على إحلال السلام في أوكرانيا، وإنهاء الحرب في غزة، وتقييد الممارسات التجارية الصينية، وإجبار الحلفاء على دفع "حصتهم العادلة" في حلف شمال الأطلسي. كان لترامب علاقات مثيرة للجدل مع العديد من القادة الأوروبيين وأعرب عن تجاهله للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومؤسسات أخرى.
في الوقت نفسه، حاول بناء علاقات جيدة مع قادة الخصوم الأمريكيين، بما في ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. عندما تولى الرئيس بايدن منصبه، نأى على الفور بنفسه عن سياسة سلفة وأعاد تنشيط العلاقات مع الحلفاء أمريكا التقليديين مثل الاتحاد الاوروبي. وقبل يوم واحد من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، نشرت منظمة غير حكومية أوروبية تقريرا أكد أن الرأي العام في معظم البلدان الأوروبية يفضل بشدة وصول كاميلا هاريس الي البيت الأبيض خوفا من عودة ترامب وسياسته التي تضع الاتحاد في درجة اقل ضمن أولويات واشنطن ويتعامل معها بمنطق رجل الاعمال.." ادفع مقابل الحماية".
أيضا لا يخفي على أحد ان الروس وحلفائهم فيما يعرف باوروبا الشرقية يفضلون عودة ترامب، كما كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وهو حليف رئيسي لترامب اول المهنئين له بالفوز. وبعده مباشرة جاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان يرفض تقريبا التعامل مع هاريس. حتى ان استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن الإسرائيليين فضلوا ترامب بأغلبية ساحقة على هاريس.
أيضا عربيا كان الكثير من قادة الخليج، على علاقة وثيقة جدا مع ترامب خلال فترة ولايته الأولى وكانوا يأملون أيضا في العودة. علي الجانب الاخر لا يشارك القادة الإيرانيون هذا الشعور. تقول أجهزة الاستخبارات الأمريكية إن الإيرانيين تآمروا لاغتيال ترامب.
اذن مجموعة ضخمة من ملفات شائكة ستكون امام ترامب، ورغم تعددها وحسياسيتها سيبقي امامه تحد من نوع اخر وهو كيفية التعامل مع "محور المناوئين"، ويشير هذا إلى "التعاون المزدهر بين الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا"، الناجم عن السياسات غيرالرشيدة التي اتبعها الديمقراطيين بقيادن جو بايدن اثناء توليه الحكم في الأربع سنوات الماضية. وهو تحد خطير بما فيه الكفاية يمكن أن يغرق العالم إما في الحرب العالمية الثالثة أو على اقل تقدير انتشار عدد كبير من بؤر الصراعات المنفصلة في جميع أنحاء العالم.
تعد الصين هي أهم مصدر قلق طويل الأجل لواشنطن بين هذه الجهات الفاعلة الأربعة، وفي الوقت نفسه، هي الوحيدة بينهم التي تندمج بعمق في الاقتصاد العالمي.
ومن المرجح ان يتبع ترامب سياسة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، التي اقترحت في مقابلة مؤخرا في منتدى المستقبل العالمي للمجلس الأطلسي علي صانعي السياسات ان يتم استخدام سياسة الفصل بين الصين وباقي المجموعة بأسلوب العصا والجزرة والوقيعة بينهم علي أساس ان الأربعة ليس لديهم الكثير من "القواسم المشتركة". وهذا يعني التصدي الفعال لإيران وكوريا الشمالية وروسيا في مناطقها، مما يثبت للصين أن ربط نفسه بمجموعة من الخاسرين ليس طريقا للنفوذ العالمي.
بالنسبة الي روسيا، سيعني ذلك منع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الفوز في أوكرانيا، وهذا سيتطلب دعما دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا غربيا مستمرا. سيكون الهدف هو دمج أوكرانيا في مؤسسات، مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، كدولة ديمقراطية وآمنة ومزدهرة وذات سيادة. ولكن هذا الامر مغايير لما طرحه ترامب اثناء حملته الانتخابية حيث أعلن انه سينهي هذا الصراع سريعا.
بالنسبة لإيران، سيعني ذلك قمع طموحات طهران المهيمنة في الشرق الأوسط، وهو تحول عن الموقف الراهن للولايات المتحدة وحلفاؤها حاليا الساعين الي كبح جماح طهران دون الدخول معها في صراع مباشر. سيتطلب ذلك دعم إسرائيل لأنها تكتسب زخما في توجيه الضربات ضد إيران ووكلائها.
وفي الوقت نفسه، تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي من خلال المصالحة المستمرة بين إسرائيل والعرب وإعادة احياء الاتفاق الابراهيمي الذي اطلقة قبل نهاية فترة ولايته السابقة، مع منح مستقبل أكثرقبولا للفلسطينيين، وفرصة جديدة للبنان لتحرير نفسه من هيمنة حزب الله.
مع كوريا الشمالية، سيتطلب ذلك ردع بيونغ يانغ من خلال تعزيز القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين - أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية - كل ذلك بهدف استمرار التقدم نحو منطقة هندية حرة ومفتوحة ومستقرة.
نحن اذن امام فترة حاسمة بكل ما تحمله الكلمة من معني سواء على مستوي الداخل الأمريكي الذي ينتظره فترة قد تطول من تصفية الحسابات مع خصومه السابقين، او خارجيا حيث سنشهد انقلابا دراماتيكيا في معظم الصراعات التي اندلعت واستمرت طوال السنوات الأربع الماضية..، ونسأل الله السلامة.