رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

طيب القول



من حقِّ أيّ شعبٍ وأىّ دولةٍ اختيار الأفضل والأصلح سواء في قياداتها أو دساتيرها وقوانينها، أو حتّى أخلاقِها وسلوكياتِها، اتّفق أو اختلف معها الآخرون، وهذا ما يُعرف بـ"العُرْف" أو الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريّة فيما يختاره، فلا شأن لشعبٍ أو دولةٍ فى انتخاب رئيس أو سياسات شعب أو دولة أخرى.
وأيًّا كان اختيار هذا الشعب أو تلك الدولة فهى مسئولية وطنيّة خاصّة بهم، مُستَمَدَّة من البحث عن مصالحهم وأهدافهم، وليس لأى شخص أو جهة أخرى التدخُّل فى شئونهم الداخليّة، ولا فرض رأى أو توجُّه عليهم.
وإذا كان الشعبُ الأمريكي قد انتخبَ واختار دونالد ترامب رئيساً للمرّة الثانية، بعد انقضاء فترة ولاية جو بايدن، وفضَّله على المرشَّحة "كاميلا هاريس"، فهذا شأنه وأمرُه الوطنى الذى يُسْأَل عنه وحدُه، بغضِّ النظر عن نسبة الأصوات التي رجَّحت كفَّة مرشّح على الآخر، أو الأسباب والمُلابسات وكواليس الانتخابات، وأهداف الناخبين من اختيارهم وتوجيه أصواتهم نحو مرشَّح بعينه.
فى المقابل فإن على الشعب الأمريكي احترام حقوق الشعوب الأخرى في انتخاب واختيار مَنْ أو ما تراه مناسبًا لها، سواء في الرئاسة أو غيرها من الشئون الداخلية الخاصة بها، فـ"شمَّاعة" الديمقراطية أو الحُريّة والعدالة والنزاهة والشفافية، كلّها شعارات برَّاقَة لم تَعُدْ تنطَلى على أى شخص محايد وموضوعى فى نظرته للأمور. وكلنا عايشنا سقوط أقنعة الزيف وادّعاء التحضر والمدنيّة مع أى خلاف لمصلحة "القوى" فى مواجهته لـ"الضعيف"، وليس العدوان على غزَّة عنَّا ببعيد!
صحيح أن هناك فروقًا كبيرة في المستوى الاقتصادي والاجتماعي بل الحضارى والتكنولوجى كذلك، لكنَّها مسألة طارئة مرتبطة بمدى قُدْرَة هذا الشعب أو غيره في التعاطى مع الإمكانات المُتاحة وكيفية تسخيرها وتطويعها لخدمة أنفسهم والمجتمع والبيئة التى يعيشونها.
وشواهد التاريخ تؤكّد أن الأيام دُوَلٌ فيما بين الدول والشعوب والأفراد أيضا، "إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (آل عمران: 140)، ليُمَحِّصَ اللهُ خَلْقَه ويختبرهم فيما أنعم عليهم من فضْله، فإن أدُّوا حقَّ هذه النِعم زادَهم، وإلا حَرَمَهم منها، ولا فرق ولا فضل فى هذا لمؤمن أو كافر، فالجميع خَلْقُ الله ونِعَمَهُ يُنَزِّلُها على الجميع طالما سَلَكَوا منهج العمل والإنتاج، وأعملوا عقولهم وفكرهم، أما قضية الإيمان بالله أو الكُفر والشِّرك والعياذ بالله، فهذه حسابها فى الدار الآخرة، مع الإيمان والتسليم بفضلها فى الدنيا أيضا، لكنها تنفع صاحبها فقط. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (28) لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)" سورة الحديد. ويقول رسولنا الكريم، فيما رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين بلفظ: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".
لكن هذا الأمر يُعلِّمنا ألا نَتَّكِلَ فى تحقيق مصالحنا على اختيارات الآخرين أو ما يُقرِّرونه لنا، فحقوقنا- خاصّة الوطنية أو القومية- لا يمكن أن تَتَقَرَّر إلا بعقولنا وسواعدنا، فإنْ لم يكنْ عيشُنا من فأْسِنا فلن يكون قرارُنا من رأْسِنا.
وأعتقد أن هذا هو ما تركِّز عليه قيادتنا الوطنية منذ تحمَّلت المسئولية، بالتوسُّع فى إقامة المشاريع القومية التنموية على كلّ المستويات والأصعدة، لبناء دولة قوية قادرة على اتّخاذ قرارها من مُنْطَلَقَات وطنية تفرضها المصلحة العامّة للوطن والمواطن، وليست استجابة لضغوط من هنا أو هناك.
وأخيرا، عاشت مصر حُرَّة أبيَّة، قويّة بسواعد وعقول أبنائها المُخلصين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة