رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

شبكات ومنصات التواصل الاجتماعي وخلال السنوات العشر الأخيرة، أثبتت أن تأثيرها علي الرأي العام في مختلف القضايا والأزمات سلبا أو ايجابا يتخطي بل يفوق ويتفوق في بعض الأحيان الكثير علي اعرق المؤسسات الإعلامية العالمية سواء المقروءة أو المسموعة والمرئية.
الانتخابات الأمريكية نموذج صارخ، صحيح أن الناخب الأمريكي هو الوحيد المدعو للتصويت لاختيار القادم الجديد الي البيت الأبيض، الا أن الأمر لم يعد كذلك في ظل التوسع غير المسبوق في شبكات التواصل الإجتماعي التي أصبحت عابرة للقارات والزمن ايضا، وبات من المستحيل أن تفلت قضية أو مشكلة مهما صغرت أو عظمت من تأثير تلك الشبكات سواء إيجابا في قليل من الأحوال وسلبا وهذا الأغلب.
ما كشفته وسائل اعلام أمريكية عن حجم التدخل الخارجي في صياغة الرأي العام الأمريكي وتوجيه لصالح بعض الجهات الأجنبية في مسار العملية الانتخابية مفزع للغاية، ويؤشر أن الي مستقبل حرية الاختيار أو التغيير لم يعد مقتصرا علي أصحاب القرار بقدر ما هي في يد من يملك أدوات التلاعب في عقول من يعتقد أنه يملك حرية هذا الاختيار.
تقرير نشره موقع "اكسيوس" الأمريكي، هذا الأسبوع عن عملية يقودها هاكرز صيني من خلال حسابات وهمية ومزيفة أو مسروقة لاشخاص يزعمون انهم مواطنيين أمريكيين علي وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المشاعر المعادية ضد الغرب وذلك للتأثير علي الخطاب الأمريكي العام قبل الانتخابات الرئاسية المزمع اجراؤها بعد أسابيع.
وليست هذه هي المرة الأولي التي يتعرض لها الناخب الأمريكي لمثل هذا الهجوم ، ففي انتخابات ٢٠١٦ كانت هناك هكرز روسي قام باختراق الاميل الخاص بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، ونشر بعض الوثائق السرية التي سبب لها الكثير من الحرج وفي نهاية المطاف السقوط أمام منافسها الجمهوري دونالد ترامب. وتبعا لما ذكره موقع "اكسيوس"، فان مثل تلك الاختراقات كان لها تأثير محدود قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، أما الآن فالأمر جد خطير.
ومنذ منتصف عام 2023، تعمقت هذه الجهود فقط، حيث تضخم حجم الصفحات الوهمية ومحتوها بفضل خاصية الذكاء الاصطناعي لدرجة اصبح من الصعب احتوائها او غربلة محتواها، لانها تعتمد علي تمرير ما تريدة ضمن سلسلة من الحقائق والأرقام المعتمدة بما يستحيل كشفه علي الأقل بالنسبة للشخص العادي، بالإضافة الي ان تلك الحسابات تقدم محتوي يرغب الناخب الأمريكي في متابعته مثل قضايا الاقتصاد والبطالة وحقوق الإجهاض، والتعليم ، والهجرة ، وضمن هذا المتحوي يتم توجيه الناخب بما يخدم مصالح الجهات الخارجية لاختيار أي من المرشحين.
المشكلة الحقيقة ان الناخب الأمريكي لم يعد مستهدفا من الخارج فقط، وخلال الفترة الأخيرة وبعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها المرشح الجمهور والرئيس السابق ترامب، عمدت "جوجل" علي استبعد تلك المحاولة من خيارات عملية البحث التي يقوم بها الشخص علي المتصفح العالمي، بهدف تخفيف حجم التأييد والتعاطف الشعبي الذي حصل عليه ترامب بعد محاولة الاغتيال، لصالح منافسه في ذلك الوقت الرئيس جو بايدن.. ولم يدرك احد من الشعب الأمريكي ما حدث الا عندما تقدم فريق ترامب الانتخابي بشكوي ضد جوجل.
وبنفس النهج تقدم "أمازون أليكسا" إجابات مختلفة تماما عندما سئلت عن سبب التصويت لصالح ترامب مقابل كامالا هاريس، رفضت أمازون أليكسا تقديم أي إجابات تصب في صالح ترامب، أجاب المساعد الافتراضي: "لا يمكنني تقديم ردود تؤيد أي حزب سياسي أو زعيمه". لكن عندما سئل، "أليكسا، لماذا يجب أن أصوت لصالح كامالا هاريس؟" كان الرد: "في حين أن هناك العديد من الأسباب للتصويت لصالح كامالا هاريس، فقد يكون أهمها أنها أنثى ملونة لديها خطة شاملة لمعالجة الظلم العنصري وعدم المساواة في جميع أنحاء البلاد".
حتي الملياردير إيلون ماسك، قال أن كامالا هاريس تريد إغلاق منصة "اكس" ما لم يتوافق الموقع مع الرقابة الحكومية.. هكذا اصبح الحال في بلد الديمقراطيات المزعومة.
وسيلة أخرى تتبعها شركات التكنولوجيا للترويج لمرشح على حساب أخر دون الوقوع تحت المساءلة القانونية، وهي الروابط الاعلانية، حيث وجد موقع "أكسيوس" أن حملة هاريس علي سبيل المثال تقوم بتحرير عناوين الأخبار والأوصاف داخل إعلانات بحث جوجل التي تجعلها تبدو كما لو أن الجارديان ورويترز وسي بي إس نيوز والناشرين الرئيسيين الآخرين إلى جانبها. لدرجة ان مؤسسات إعلامية عريقة مثل سي إن إن ويو إس إيه توداي و إن بي آر، الذين ظهرت روابطهم في إعلانات هاريس للرئيس، أكدوا أنهم لم يكونوا على علم بأن أسماء مؤسساتهم يتم عرضها بهذه الطريقة. ووفقا لمركز شفافية الإعلانات في جوجل، لا تدير حملة ترامب هذه الأنواع من الإعلانات، ولكن تم استخدام هذه التقنية من قبل الحملات من قبل.
وفي عصر الإنترنت، أتقنت الصحافة فن تسييس الغضب وأسهمت في شيوع جنون العظمة وانعدام الثقة، حتي ان السياسي والصحفي الأميركي الشهير مات طيّبي، يعتقد ان جميع وسائل الإعلام جزءا من نظام بيئي واحد للمعلومات السامة وذاتية التعزيز.. وصدر لطيبي كتاب حديث بعنوان "شركة الكراهية: لماذا يجعلنا الإعلام الراهن نحتقر بعضنا بعضا؟" يرى فيه أن ما يعتقده معظم الناس على أنه "أخبار" هو في الواقع ينتمي لقطاع الترفيه.. هكذا تصبح الانتخابات الامريكية التي ينتظرها العالم لتحديد مصير العشرات من القضايا السياسية والعسكرية والأزمات والصراعات الدولية مجرد مهزلة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة