رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رؤية مباشرة

العلاقات بين الدول كلما قامت على ثوابت يحترمها الطرفان كانت ناجحة ومثمرة وقابلة للتطور ولذلك تسعى مصر دائماً أن تكون علاقاتها مبنية على ثوابت سياسية ودبلوماسية واضحة، أولها أن تكون علاقة تعاون هدفه التنمية ودعم السلام والاستقرار الذي يسهم في تحقيق آمال الشعوب ، وثانيها احترام خصوصية واستقلالية كل دولة لأن الاستقلالية جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية.

وثالثها البحث عن كل ما يمكن أن يعزز التعاون الاقتصادى والتجارى ويفتح أبواب الاستثمارات المتبادلة لدعم النمو فى عالم مليء بالصراعات التي تدمر كل فرص التنمية وتفرض على الجميع التعاون من أجل النجاح.

وطوال السنوات الماضية لم نجد من مصر وقيادتها أى خروج او تجاوز لهذه المبادئ بل حرصاً على التمسك بها وإعلائها كخطوط ومحددات أساسية فى التعامل، لا تسعى مصر للإضرار بأحد ولا تبحث عن عداء ولا تدخل فى تحالفات لاهداف غير مشروعة أو ضد أحد ، بل تسعى دائما لدعم كل جهود من شأنها تصفير الخلافات وإنهاء الصراعات والتقريب بين الدول وتحقيق آمال وتطلعات الشعوب في مستقبل أفضل.

الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى تركيا تلبية لدعوة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان تأتى فى هذا الاطار، القائم على احترام خصوصية كل دولة وشئونها الداخلية والرغبة الصادقة فى فتح صفحة جديدة من العلاقات تطوى الماضي تماما، وتقوم على المصالح المتبادلة والتعاون المشترك فى كافة المجالات والبناء على قوة وتأثير الدولتين إقليميا ودوليا، لان التعاون المصرى التركى يضمن الاستقرار الإقليمي، وهذا ما تريده مصر وتعمل من أجله على كافة المستويات.

معلوم ان هناك بالفعل قضايا وملفات تفرض التعاون المشترك بين البلدين والتنسيق الدائم وفى مقدمتها الازمة فى غزة والمخطط الاسرائيلى لتصفية القضية، وشبح الحرب الإقليمية الذى اصبح يسيطر على المنطقة والتهديدات التي تحيط بالاقليم، ولا يمكن مجابهتها بغير التعاون بين القوى الفاعلة والمؤثرة.

ولا ينكر أحد أن القاهرة وانقرة عاصمتان لهما ثقل كبير ودورهما محورى وتمتلكان قدرة على القيام بخطوات مهمة فى تحقيق الاستقرار والوقوف ضد المخططات الاسرائيلية طالما كان هناك تعاون وتشاور وتنسيق في المواقف.

وهذا ما حدث بالفعل طوال الشهور الماضية، وتتطلب المرحلة القادمة مزيداً من هذا التعاون وكما قال الرئيس السيسى فإن ما تعيشه المنطقة من ازمات يحتم استمرار التشاور والتعاون بين البلدين، سواء فيما يخص قضايا الاقليم المضطرب بشكل عام او القضية الفلسطينية على وجه الخصوص فى ظل اصرار حكومة نتنياهو على مواصلة الحرب والسعى لتحقيق الاهداف التي اعلنت عنها وهى تصفية القضية الفلسطينية وهناك دعم غربي لها في ذلك حتى وان كان بعضه غير معلن لكنه مؤثر فى زيادة قدرتها على الوصول الى هذا الهدف.

ويعلم الجميع انه لا يمكن ايقاف هذا المخطط الاسرائيلى بالاعتماد على المنظمات الدولية التي ثبت عجزها والدليل القرارات الأممية التى لم تنفذ ، كما لا يمكن ان يتم الاعتماد على تغير في مواقف الغرب وخاصة واشنطن لأن المؤشرات كلها تقول ان التصريحات المتتالية من بايدن ولومه المستمر لنتنياهو لا ينم عن موقف حاسم بل على العكس تدعم واشنطن تل ابيب بالسلاح وكل القدرات التى تمكنها من تنفيذ مخططها.

ولا يمكن التعويل كذلك على الغضب الداخلى فى إسرائيل ضد حكومة نتنياهو لانه غضب مؤقت وكثير منه له مصالح سياسية وليس له علاقة بالقضية الفلسطينية.

كل هذا يؤكد أنه بدون موقف واضح ومتماسك من الدول العربية والاسلامية والقوى الاقليمية المؤثرة لن يكون هناك جديد ولن يتوقف المخطط الإسرائيلي.

ومصر منذ البداية لها مواقف واضحة سواء تصريحات كاشفة او افعال على الأرض في التصدى للعبث الاسرائيلى ودعم الشعب الفلسطينى وفضح مخطط التهجير والكل اصبح مدركا للرفض المصرى الحاسم للمخططات الاسرائيلية بل وان الموقف المصرى هو السبب الاهم فى افشال هذا المخطط حتى الآن، ولهذا نجد الاستهداف الاسرائيلي لتشويه مصر من خلال الاكاذيب والادعاءات الفاسدة.

ولكن هذا الموقف المصرى الثابت والقوى يحتاج دعما عربيا واقليميا ومن هنا تأتى اهمية التنسيق مع دولة بحجم وتأثير تركيا، وهذا ما تم التأكيد عليه سواء في مباحثات الرئيسين خلال قمة انقرة او فى البيان المشترك الصادر عن مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى الذى تمت اعادة تشكيله بين البلدين للعمل على تعزيز ودفع التعاون في كافة المجالات.

وارتباطا بهذا المجلس فإن العلاقات الثنائية بين البلدين واحد من الملفات المهمة بين مصر وتركيا لأنها تعكس الرغبة الحقيقية في تطوير شكل وجوهر العلاقة وتعزيز كل أوجهها بما يخدم الشعبين فما يمكن إنجازه من تبادل تجارى واستثمارات مشتركة كبير جدا نظرا لا مكانات البلدين الكبيرة ، ولتحقيق هذا كان من الضرورى النظر في سبل الارتقاء بالعلاقات الى مرحلة الإستراتيجية وتوطيدها في كل المجالات عبر مجلس تعاون له آلية اجتماع دائمة ضمانا للتطوير المستمر وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه لأن حجم التبادل التجارى بين البلدين والذي يبلغ نحو 7 مليارات دولار لا يجسد ابدا قدرات وامكانات الدولتين ولا بد من زيادته بل مضاعفته والمخطط فعليا كما اعلن الرئيسان ان يصل خلال الفترة المقبلة الى نحو 51 مليار دولار كمرحلة أولى كما يتم العمل على زيادة الاستثمارات التركية فى مصر في ظل البيئة المؤهلة لاستيعاب كل أنواع الاستثمار وكون مصر مصنفة الآن كأحد أهم المقاصد الاستثمارية
ومن بين ما تضمنه بيان مجلس التعاون الإستراتيجى العمل على تطوير مناخ الاستثمار.

وارتباطا بهذا يأتى ملف الطاقة الذى لا يحتمل أى صراع بل يتطلب تكاملا وتعاونا لصالح الجميع، لانه ملف المستقبل والذى سيحدد بشكل كبير طبيعة العلاقات بين الدول، ولهذا كان التأكيد من الرئيسين على التعاون فى هذا الملف بما يخدم المصالح المشتركة.

ان العلاقات بين الدول لا يمكن ان تدوم على وتيرة واحدة ، واذا كانت السنوات الماضية شهدت تباعدا بين البلدين لاسباب عديدة فإن الواضح الآن هو الرغبة الجادة في تطويرها الى مستوى غير مسبوق ادراكا من البلدين بأهمية التعاون والشراكة لصالح الشعبين وترجمة للعلاقات التاريخية المتجذرة التى تجمع البلدين العريقين وتكمل مئويتها العام القادم وتعكس الإرادة المشتركة لبدء مرحلة جديدة من الصداقة والتعاون. وما صدر من بيان مشترك بين البلدين يؤكد بوضوح ان السنوات القادمة ستشهد طفرة غير مسبوقة فى العلاقات ونقلة نوعية فى التعاون المبنى على أساس واضح وهو المصلحة المتبادلة والتضامن وهذا ما يتضح من 36 بنداً تضمنها البيان وتؤكد كلها على أن الرغبة صادقة في البناء على ما تم من خطوات وان تكون العلاقات المصرية التركية نموذجا ليس فقط في التعاون الصناعى والسياحى والاستثمارات وزيادة التجارة البينية وصولا الى شراكة اقتصادية مميزة ومثمرة وذات نفع للطرفين، وانما ايضا نموذج فى التشاور السياسي وتنسيق المواقف الدبلوماسية والتعامل مع قضايا الإقليم والملفات المرتبطة بأمن واستقرار المنطقة. يقينا نتائج الزيارة إيجابية بل تصلح لأن تكون عنوانا للتوافق والحرص على توطيد الصداقة وتغليب مبدأ الاحترام المتبادل بين دولتين كبيرتين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة