رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


تقترب الحرب في غزة من عامها الأول دون بارقة أمل في احتواء هذا الصراع الجنوني، الأخطر أن مبررات توسيع الحرب أصبحت أكثر من أسباب توقفها، لدرجة أن المنطقة بالكامل مهددة بالانزلاق الي اتون صراع إقليمي.
المؤكد أنه كلما طالت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فان توسيع الصراع آتي لا محالة...، وكانت البداية الفعلية بعد سقوط صاروخ في قرية مجدل شمس في الجولان المحتل وتسبب في قتل ١٢ طفلا من الدروز، والذي قالت إسرائيل انه تابع لحزب الله مما زاد من سخونة الجبهة الشمالية أكثر فأكثر، وقبلها بأيام كانت المسيّرة "الحوثية" على تل أبيب ورد إسرائيل بقصف ميناء الحديدة، وهو ما اعتبرته القيادات العسكرية الإسرائيلية "تطورا نوعيا يشكل انعطافة في الحرب".
ايران، حاليا تعد المعادل الموضوعي لأي نزاع في الشرق الأوسط، وهي مصرة علي تمرير أجندتها الخاصة في المنطقة من خلال محور "وحدة الساحات" الذي تديره ميليشياتها في لبنان واليمن والعراق، اذا أضفنا اليه التنسيق الكامل مع عناصر المقاومة الإسلامية في غزة والقطاع. بل أن طهران تتعمد مع سبق الإصرار في إظهار هذا التنسيق بينهما والتأكيد عليه سياسيا وإعلاميا، وهو ما بدا جليا بعد الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله والذي تناغم أحيانا وتطابق أحيانا اخري مع خطاب زعيم "أنصار الله" عبد الملك الحوثي في مفرداته وعناوينه.

بالتالي من الصعب عدم الأخذ في الاعتبار الرابط بين قصف الجيش الإسرائيلي للحديدة وقصفه في الوقت عينه مخازن للأسحلة تابعة لـ"حزب الله" في جنوب لبنان.
ولكن هل هذا التنسيق أو تلك الجبهات لها تأثير حقيقي علي مجريات الأمور في المنطقة؟ في الحقيقة أن هذا السؤال يحتاج الي الكثير من المراجعات الزمنية، فمنطقة الشرق الأوسط بمسماها السياسي شهدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حروبا وصراعات إقليمية ودولية غير مسبوقة بدأت بحرب السويس عام ١٩٥٦ من القرن الماضي ، ومرورا بالحروب العربية الإسرائيلية ، الحرب في لبنان، والصراع في اليمن، الذي تزامن مع الحرب العراقية الإيرانية، ثم الغزو العراقي للكويت، ثم جاء الغزو الامريكي للعراق، ليفتح الطريق أمام ما يسمي بحروب الجيل الرابع والخامس بثورات ما سمي بالربيع العربي الذي أدخل دولا مثل ليبيا وسوريا ضمن قائمة الدول ذات الحروب الأهلية، فضلا عن السودان التي انضمت مؤخرا لنفس القائمة.
أي أن الصورة قبل مصطلح "وحدة الساحات" لم تكن وردية، بل يمكن القول ان حجم الصراعات والانقسامات الإقليمية هي التي افرزت مثل تلك المصطلحات للتعامل مع مقتضيات اللحظة الراهنة تبعا لمصالح واجندة الدولة. ليس ما سبق هو مبرر للقبول بالأجندة الإيرانية غير البريئة التي زادت من ضبابية المشهد الإقليمي، لكن الصورة اكثر تعقيدا مما نري، ومن يختزلها في هجوم السابع من أكتوبر الماضي فهو غير منصف لطبائع الأشياء ويغض الطرف عن الأسباب الحقيقة لهذة الأزمة المركبة.

وبالنظر الي حجم الأضرار الناجمة عن هذا الصراع الإقليمي فيجب الا ننسي أن الخصوصية التي تتميز بها الشرق الأوسط تتمثل في القاعدة السياسية التي افرزتها الأحداث طيلة القرون الماضية أن " السياسة هي الحصان الذي يجر العربة الاقتصادية" وليس العكس!
ما سبق، يؤكد أننا أمام معوقات ومشاكل تحتاج الي رؤية جديدة بعيدا عن كتاب المحفوظات السياسية التي عايشناها علي مدي أكثر من ٨ عقود ، وهي تزداد صعوبة وتعقيدا يومًا بعد يوم.

علي سبيل المثال فان الأذرع الإيرانية التي خلقتها من خلال "وحدة الساحات" لن تظل مرهونة علي طول الخط بما تمليه طهران عليها، وقريبا يمكن أن تتقاطع المصالح الناشئة لبعض تلك الاذرع مع مصالح الممول الرئيسي وربما تتصادم ، وهذه واحدة من المعادلات الجهنمية للحرب في المنطقة والتي لا يمكن قراءتها خارج صلاتها المتينة بماضي صراعات المنطقة ومستقبلها.

أيضا فإن "حماس" مطالبة بإجراء تحوّل في مقاربتها للموضوع الفلسطيني، حتى إن أي تنازل لها أمام إسرائيل ولو أدى إلى وقف الحرب فهو يعني أنها تهدف إلى إبرام صفقة مع إسرائيل على غرار الصفقات السابقة لضمان بقائها في "اليوم التالي"، إلا إذا اقترن هذا التنازل بتنازل على الساحة الفلسطينية أو بقراءة جديدة للوقائع الفلسطينية.

وهذا هو المحك الذي يقاس عليه استعداد "حماس" للتحوّل إلى حركة وطنية فلسطينية بكل معنى الكلمة.

لكن ليس هناك مؤشرات وافية حتى الآن في هذا الاتجاه إلا إذا كان "إعلان بكين" بين الفصائل الفلسطينية مؤخرا خطوة إلى الأمام على الساحة الفلسطينية بيد أن كل تجارب المصالحة السابقة بين "فتح" و"حماس" لا تشجع كثيرا على التفاؤل بنجاح التجربة الحالية، مع فارق أن الصين ستكون معنية هذه المرة بنجاح الاتفاق لأنه امتحان لدبلوماسيتها.

وهذه أيضا من المعادلات الجهنمية للحرب في المنطقة، خصوصا أن العقل الإسرائيلي الراهن لا يقبل لا بـ"حماس" ولا بالسلطة في غزة ما بعد الحرب. أما إسرائيل فقد أصبحت أسيرة التطرف وبالتالي أصبحت أخطر على نفسها والمنطقة، حتى أن كلّ الأسباب الوجودية التي تعطيها للحرب الراهنة ليست في واقع الحال سوى ترجمة للاندفاعات المتطرفة في مجالها السياسي والاجتماعي، وهو ما يفسر نظرة إسرائيل إلى نفسها على أنها في "حرب دائمة".
وبعد مرور تسعة أشهر على الحرب الأكثر دموية على قطاع غزة. فالنتائج المرشحة للظهور تشير الي ان صراع "حماس" مع إسرائيل لم يلغ صراعها مع السلطة الفلسطينية، وإن كان يمكن تاريخيا ومن حيث المبدأ، تحميل الطرفين مسؤولية هذا الصراع. فـ"حماس" في اللحظة الراهنة هي من يتحمّل مسؤولية استمرار الانقسام الفلسطيني باعتبار أنها الجهة الفلسطينية الرئيسة التي تخوض الصراع في قطاع غزة. وإذا كانت إسرائيل مسؤولة واقعا عن هذا الشلال من الدماء الفلسطينية فإن المسؤولية السياسية والأخلاقية لـ"حماس" تجاه قضية الفلسطينيين تقتضي إيجاد مخارج سياسية لوقف الحرب، أي أن يكون هدفها في المفاوضات بقاء الفلسطينيين بالمعنى السياسي لا بقاؤها هي، فضلا عن حفظ أرواحهم ، ولكن محاسبتها السياسية والأخلاقية مرتبطة بكلفة بقائها في "اليوم التالي" للحرب هذا اذا بقيت علي حالها لان هذا البقاء لا يمثل فقط هزيمة لإسرائيل بل للسلطة الفلسطينية أيضا.هذا لا يعني افتراض أن "حماس" هي المسؤولة عن عرقلة المفاوضات وأن إسرائيل تستميت لوقف إطلاق النار. المسألة ليست على هذا النحو إطلاقا، لكن المقصود أن "حماس" يفترض أن تكون معنية أكثر من أيًا كان، سواء إسرائيل أو أي قوة إقليمية منخرطة في الصراع، بوقف الحرب ولو استدعى ذلك تنازلات أكبر منها ليس أمام إسرائيل وإنما أمام الفلسطينيين، من خلال فتح الطريق لإلغاء الانقسام الفلسطيني وتوحيد الرؤية السياسية الفلسطينية بما يمكن الفلسطينيين من دعم قضيتهم إقليميا ودوليا. وهذه نقطة مركزية في كل الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، وحلها يستند في الأساس علي قرار سياسي أكثر منه عسكري.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة