رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

انطلاقا من المعين الصافي الفياض لأبناء أرض الكنانة فلن تتوقف العقول المستنيرة والقرائح النقية المخلصة عن التفكير في حاضر ومستقبل الوطن، ودعم استراتيجيات التنمية الشاملة والمستدامة.

ومن بين ثنايا الجدل المجتمعي بين فئات النخبة وبعض المثقفين، تداول البعض مؤخرا الحديث عن ضرورة إحياء بعض أفكار المشروعات التنموية المبدعة، كفكرة توظيف طمي النيل المتراكم ببحيرة ناصر أمام السد العالي منذ ما يزيد عن 50 عاما، والاستفادة من مردوده الاقتصادي، وتوصيل مياه النيل لمنخفض القطارة للاستفادة منها في توليد الكهرباء وتخزين كميات كبيرة من المياه العذبة، ربما تسهم فى تجديد الخزان الجوفي الأرضي الذي بدأ في التعرض لتأثيرات التغيرات المناخية المباشرة وغير المباشرة، ومن ثم الجفاف النسبي.

ومن الأفكار المهمة توصيل منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط عن طريق شق قناة بطول 60 ك م تقريبا.

وبعيدا عن التأثيرات البيئية والمردود الاستثماري، والاجتماعي، والاقتصادي المتوقع فإن هذه المشروعات التنموية النوعية تخلق آمالا جديدة وتعزز استراتيجية مصر "التنمية المستدامة" التي دشنتها الدولة المصرية وحتي عام 2030 في مرحلتها الأولي كما أنها تضيف مشروعات تنموية عملاق تضاف لقائمة مشروعات الجمهورية الجديدة، كإنشاء شبكة متميزة من المحاور والطرق وتبطين الترع ومعالجة مياه الصرف، وإنشاء النهر الصناعي، والتجمعات العمرانية الجديدة في مختلف المحافظات والتوسع في إضافة مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية في توشكى وسيناء والصعيد والصحراء الغربية.

وظاهر الأمر أن فكرة استثمار طمي النيل رمز الخير والنماء عبر التاريخ ومنذ عهد الفراعنه، هي فكرة مبدعة وتستحق الإهتمام والدراسة العميقة، وقد بدأ التفكير في بلورتها بعد إنشاء السد العالي عام 1960 وتثبيت آخر 12 مولد كهربائي في 1970، ثم افتتاح السد رسمياً في عام 1971.

ولكن أدى السد العالي إلى تقليل خصوبة نهر النيل وعدم تعويض المصبات في دمياط ورأس البر بالطمي، مما قد يهدد بغرق الدلتا بعد نحو أكثر من مائة عام، بالإضافة لبعض العوامل الأخرى مثل التغيرات المناخية، والاحتباس الحراري، وذوبان الجليد بالقطبين الشمالي والجنوبي.

كما أن الكميات الهائلة من طمي النيل كانت تسهم بصورة مباشرة في زيادة خصوبة الأراضي الزراعية وإضافة مساحات جديدة من الأراضي الخصبة مع كل فيضان.

ومن يومها وكثير من العلماء يفكرون في كيفية تحقيق هذه المعادلة الصعبة ما بين الاستفادة من طمي النيل باعتباره ثروة طبيعية وحجز كميات كبيرة من المياه تزيد عن 70 مليار م مكعب من المياه ببحيرة ناصر أسهمت في وقف هدر المياه بمياه البحر المتوسط، وتوليد الطاقة الكهربائية، علاوة علي الاستفادة منها - وخاصة في سنوات الجفاف - لتوفير احتياجات محافظات مصر من الموارد المائية اللازمة للزراعة ولتشغيل محطات المياه العذبة وتلبية احتياجات المصانع وكافة المشروعات الإنتاجية بمختلف أنواعها.

وتتضمن الفكرة توسعة وتطهير البحيرة لاستيعاب كميات هائلة من مياه النيل، وإقامة تجمعات عمرانية جديدة وزيادة مساحة الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة وفتح ملايين من فرص العمل في المشروعات الزراعية والسكنية الجديدة.

ووفقا لبعض المؤشرات وفي إطار التقديرات المبدئية لخبراء الجيولوجيا والموارد المائية وأساتذة كليات الزراعة بجامعات مصر، فإن ما يزيد عن 140 مليون طن "طمي" مشبعة بالمعادن والذهب محتجزة خلف السد العالي، قابلة للزيادة المطردة، ومن الممكن توظيف هذه الكميات لاستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة بالصحراء الغربية.

ومن المقترحات الجديرة بالمناقشة والبحث في هذا الشأن:
-- تدشين محور جديد للتنمية، وإنشاء خط سكة حديد لنقل الطمي وتوزيعه على مدار طريقه الذى يبدأ من بحيرة ناصر وينتهي عند منخفض القطارة.
-- عمل خط أنابيب عملاق بجوار خط السكة الحديد لنقل المياه من توشكى إلى منخفض القطارة.
-- إنشاء شركة وطنية للتكريك يكون عملها الأساسي هو إخراج الطمي من بحيرة ناصر للزراعة، وكذلك يمكنها استخلاص الذهب والمعادن منه.
-- الطمي الذى يحمله القطار يتم توزيعه على مدار محور التنمية الجديد.
-- فتح المجال للاستثمار في الأراضي الجديدة، وبيع الطمي للمستثمرين والشركات الوطنية مقابل دفع ثمن عادل ليتم به تحسين خصائص تربة الأراضى التي اشتروها حول خط القطار وأنبوب المياه .

كما يتوقع الخبراء أن المردود الهائل والعائد من هذا المشروع الطموح بإمكانه تحقيق الآتي:
-- زراعة ملايين الأفدنة بمحاصيل تحتاجها مصر وقابلة للتصدير بإستخدام أحدث طرق الري مثل التنقيط والزراعة فى صوب وبدون أسمدة كيمائية، التوسع فى المزروعات والمحاصيل "الأورجينك"، Organic farming والتي تحظي بطلب كبير ومتزايد فى أوروبا وأمريكا واليابان وبأسعار مرتفعة، قد تسهم في تعزيز الصادرات ومن ثم دعم الموزانة العامة، وتوفير العملات الصعبة.
-- استيعاب الزيارة السكانية السنوية وإعادة توطين الملايين من المصريين خارج وادي النيل الضيق.
-- تخفيف الأحمال الميكانيكية من على جسم السد العالي بسبب تراكم الطمي خلفه منذ أكثر من 50 سنة والذى حرم وادي النيل من طمي الفيضان المغذي للتربة وأدي إلى تآكل شواطئ الدلتا.
-- زيادة الطاقة الاستيعابية من المياه المخزنة ببحيرة ناصر بسبب التعميق عن طريق التكريك.
-- خلق مجتمعات سكانية حول بحيرة ناصر تعمل فى صيد الأسماك يمكن نقلها بثلاجات فى القطار وكذلك صيد ملايين التماسيح التى تلتهم كمية كبيرة من الأسماك من البحيرة والاستفادة من جلودها الثمينة، مع إيجاد آلية لحفظ التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية في هذه المنطقة.
-- ملئ منخفض القطارة تدريجيا بالمياه العذبة ليكون نواة لمستودع ماء عذب كبير ، يسهم في تعمير الساحل الشمالي والعلمين ومطروح ومنطقة برج العرب الصناعية، بالإضافة للمجتمعات السياحية والعمرانية والصناعية التى ستنشأ حول المنخفض نفسه، علاوة علي جملة من الفوائد الأخرى.

وأتصور ضرورة عقد مؤتمر موسع لمناقشة الفكرة وآليات التنفيذ، واتفق مع رؤية د.حاتم عبد المنعم احمد أستاذ علم الاجتماع البيئي بكلية الدراسات البيئية جامعة عين شمس، التي تضمنت ضرورة وضع استراتيجية وطنية لتوظيف الاقتصاد الأزرق بنهر النيل والبحرين الأبيض والاحمر لتحقيق أقصي استفادة وتدشين مشروعات جديدة، باعتبارها من الكنوز والثروات المهدرة والتي لم تجد بعد اهتماما كافيا.
وفيما يختص ببحيرة ناصر يمكن للشركات الحكومية الاستفادة من الثروة السمكية الموجودة داخل البحيرة ويبقى الأهم من وجهة نظره، وهو كيفية الاستفادة من الطمى المخزون بالبحيرة والذى يمكن أن يكون دلتا جديدة لمصر.
ودعا د.حاتم لعقد مؤتمر قومي يدعى إليه كل الخبراء المختصين من داخل مصر وخارجها لدراسة كيفية استخراج هذه الطمى لإقامة دلتا جديدة قد تضاعف من المساحات القابلة للزراعة في مصر بما يحقق الاعتماد على الذات ثم التصدير لتعود مصر سلة الغذاء للعالم وهو حلم ليس صعب المنال.

وبالتوازي مع متغيرات العصر وأزمات الغذاء العالمية، أصبح لزاما البحث عن بدائل عملية تضمن تعزيز مقدرات الأمن الغذائي المصري.

والخلاصة أن بذور الفكرة قد تولد مبكرا، لكنها قد لا تجد من الآليات والإمكانيات والخبرات الفنية لتنفيذها، وهو ماحدث مع فكرة السد العالي نفسه، فأول من أشار إلى بناء هذا السد هو العالم العربي المسلم الحسن بن الحسن بن الهيثم، والذي ولد عام 965م وتوفى عام 1029م، ولم تتح له الفرصة لتنفيذ فكرته وذلك بسبب عدم توفر الآلات اللازمة لبنائه في عصره.
وأعتقد أن آليات عصر التكنولوجيا والاستثمارات الضخمة متعددة الأبعاد لا تعرف كلمة المستحيل، فقط قليل من الإرادة الفاعلة وترتيب الأولويات، وتوظيف الدراسات العلمية والرؤى الثاقبة والابتكارات المبدعة لتدشين مشروعات قومية لها مردود إنتاجي فعلي.. والقادم أفضل بإذن الله.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة