رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


الصورة ضبابية وقاتمة، هذا هو وضع الشعب الفلسيطني، ليس فقط بسبب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضدة، ولكن بسبب خيبة الامل المعهودة دائما في صراعات بعض قياداتهم الذين لا يعنيهم سوي حصد المكاسب علي دماء الأبرياء من دم هذا الشعب الأعزل المنكوب الذي اصبح من كثره تكرار هذا المشهد العبثي يختمر في الذاكرة الجمعية بالمعادل الموضوعى لعودة حقوقه التاريخية المنهوبة.
وأي متابع او محلل سياسي يدرك ان الأمور لن تهدأ علي الأرض الا اذا كان هناك تصور شامل لليوم التالي للحرب ومن سيحكم قطاع غزة. وحركة حماس بطبيعة الحال تدرك الان ان مغامرتها في السابع من أكتوبر الماضى انقلبت عليها وهى تخشى أن تصبح هي الخاسر الوحيد من ترتيبات ما بعد الحرب، وبالتالي فهي تري انه لا مانع من المماطلة ووضع العراقيل وخلق الازمات مع سبق الإصرار والترصد اذا لزم الامر لاقناع الأطراف الأخرى انهم باقون في اللعبة ولو علي رقاب او دماء المئات من الفلسطينين.
وهذا يفسر التراشق العنيف والمفاجئ الحاصل حاليا بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية حول تشكيل حكومة جديد كان قد اتفق عليها ضمن خطوات لرؤية شاملة لما بعد حرب غزة. والازمة اشتعلت بعد تكليف الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مستشاره الاقتصادي، بتشكيل حكومة جديدة، وهو ما اعتبرته الحركة في بيان لها بانه "مضيعة للوقت وتكريس للانقسام الوطني، وان الأولوية لمواجهة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل في غزة".. وهو مبرر له وجاهته اذا كانت إسرائيل هي من بدأت الحرب أولا. وهذا بالضبط ما اعتمدت علية السلطة وحركة فتح في الرد علي بيان حماس التي وصفت الهجوم الذي شنته الحركة في أكتوبر بأنه مغامرة قادت الي نكبة اكثرر فداحة وقسوة من نكبة عام ١٩٤٨.
تاريخ "حماس" مع "فتح" مبني علي الشك والصدام، فالأولى تدرك انها لا تمتلك شريعية إقليمية او دولية كالتي تمتلكها "فتح" باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بالتالي فإن هذه المنطقة أصبحت حصريا لفتح ولن يكون أمامها سوي اللعب علي أوراق اخري بعضها قديم تم التخلي عنه بموجب اتفاقيات إقليمية ودوليه واخري بتفهمات جري التوافق عليها بين اطراف الازمة، مثل الصراع المسلح والتكييف القانوني لصيغة الاحتلال، ما بقي لها هو الغطاء الديني الذي يمكن ان يمنحها شرعية خاصة مرتبطة بالعقيدة والإسلام ، وبالفعل منح لها هذا ليس فقط علي الدعم المعنوي ولكن المادي والسياسي ايضا. اما "فتح" فتدرك ان غطاء حماس الديني قد بدأ في الافول تحت الضربات التي تلقاها الإسلام السياسي طوال السنوات العشر الماضية، وان استمرار ربط الحماس بهذا المفهوم سيتحول سلبا عليها، والمسألة تتعلق بالوقت فقط قبل ان يتخلي عنها الجميع وتدرك بعدها ان شرعيتها يحب ان تمتد من طموح الشعب الفلسطيني الذي انحصرت آماله حاليا في العيش في آمان واستقرار.
قطاع غزة بالنسبة لإسرائيل كان دائما مصدر ازعاج، ومن ديفيد بن جوريون الذي يعتبر المؤسس الفعلي للدولة العبرية وحتي ارييل شارون كانوا يرون انا القطاع عبء علي ميزانية إسرائيل انه نقطة ضعف لها ، ولكن التخلي عن القطاع كان يحتاج قرار جرئ ، هذا ما قام به شارون في عام ٢٠٠٥ ، وانسحبت إسرائيل منه احاديا تاركة الامر للفلسطينين والسلطة في رام الله. وشهد عام ٢٠٠٦ انتخابات فلسطينية حققت فيها حماس نجاحا وشكلت علي اثره الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ضمت 24 وزيرا بينهم 14 من الضفة الغربية و10 من قطاع غزة. واللافت ان الحكومة لم تضم أيا من الفصائل الفلسطينية الاخري بعد رفض جميع الكتل البرلمانية في المفاوضات التي استمرت نحو ثلاثة أسابيع بسبب عدم الاتفاق على البرنامج الحكومي للحركة.
ثم جاءت معركة غزة في يونيو ٢٠٠٧، التي يشار إليها أيضًا بانقلاب حركة حماس في قطاع غزة، الذي شكل ذروة الصراع بين فتح وحماس من أجل السلطة، وقتها نجح مقاتلو حماس في السيطرة على قطاع غزة والإطاحة بمسؤولي فتح. وطوال هذه الفترة وحماس تسوق للداخل والخارج انها هي من حررت القطاع واجبرت إسرائيل علي الهروب منه، وان صيغتها هي التي يجب ان تعتمد في الصراع مع المحتل وليس التفاوض الذي تتبعه "فتح". لكن الحقيقة الفعلية ان معركة غزة اسفرت عن حل حكومة الوحدة وتقسيم الأراضي الفلسطينية إلى كيانين بحكم الأمر الواقع، الضفة الغربية التي تخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية، وغزة التي تحكمها حماس.
أخطر وأهم أسباب إطالة امد المشكلة الفلسطينية يكمن في تعدد الرؤي، فهناك اكثر من 36 فصيل مقاوم او جهادى فلسطيني يعيشون داخل الضفة والقطاع وخارجها لكل منهم تصوره الخاص ورؤية التي يمترس خلفها لاستعادة الحق الفلسطيني، وجميعها تتلقى دعم مالى او معنوى من اطراف خارجية. والظاهر من تلك الفصائل هما حركتى الجهاد وحماس الباحثان عن دور سياسي وعسكرى، ويمتلكان طموحا نجحا من خلاله في تقديم نفسيهما إقليميا كمنافس قوى ومحتمل لحركة فتح التي تعتبر الممثل الشرعى والوحيد للشعب الفلسطيني، وهذه الشرعية هي التي تربك حسابات الجميع وهى العقبة الحقيقية امام احلامها في القفز لسلطة الحكم وإدارة مستقبل هذا الشعب.
واحداث غزة الجارية حاليا هي حلقة ضمن مسلسل الصراع الدائر بين الفصائل الفلسطينية. اما إسرائيل فستظل للأبد هي المستفيد الوحيد والدائم بالقطع من هذا الصراع، وحجتها المبررة للتنصل من أي اتفاق وقع او سيتم توقيعه هي "اعطونا طرفا فلسطينيا للتفاوض معه"، وسيستغل بنيامين نتنياهو هذا الخلاف كمبرر للدخول الي رفح لاستأصال ما تبقي لحماس في القطاع ، دون النظر الي معاناة الشعب الفلسطيني ، طالما انه لم يتم الاتفاق علي خطة وقف اطلاق النار المؤقته وتبادل الاسري.
بالتأكيد، الحقيقة المطلقة معدومة، ولها اكثر من رؤية وإطلالة وزاوية، والمزايدون فقط هم من يحاولون الاستفادة والمكسب من كل واى جانب من جوانب تلك الزوايا وهذه الرؤى لتمرير مصالحهم الخاصة.. والعبرة انه منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي والسمة الغالبة عليه هو أنك ممكن أن ترى أو ترصد اتجاه إسرائيلي يمكن أن تتفاوض معه لتصل أو لا تصل الى حلول، وغالبا ما يتم الوصول الى اتفاق ما، لكن على الطرف الاخر قد يكون من المستحيل ان تجد عدة اطراف فلسطينية تتفق فيما بينها على خط واحد ومواز يمكن التفاوض عليه، وستظل هذه هي نقطة ضعف هذه القضية التاريخية. وللحق فان أطرافا عربية كانت وماتزال سعت وتسعي لاستغلال هذا التنافس الشرس بين الفصائل للفلسطينين لكسب بعض الوقت او بسط النفوذ او عرقلة اتفاق ما، بداية من توقيع اتفاقية كامب ديفيد وحتى يوما هذا، دون النظر الى هموم الشعب الفلسطيني الذى اصبح يبحث عن العيش والاستقرار فقط بعد ان تلاعب به الجميع.فالى متى يظل الانشقاق والانقسام الفلسطيني هو سيد الموقف؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة