طيب القول
ها هو شهر القرآن، وضيوف الرحمن، شهر المغفرة والرحمة، ومُضاعَفة الحسنات، قد هلَّ علينا بخيراته وبركاته، وقد بدأت نفحاته تَتْرَى علينا منذ منتصف شهر شعبان بروائحه ونسماته وأجوائه العَطِرَة، ومن الآن أُذَكِّرُ نفسى وإيّاكم أحبابى الكرام بضرورة استثماره فى التزوّد بكلّ ما يُقَرِّبُنا إلى الله من أعمال صالحة، واجتناب مصائِد الشياطين، الذين وإن كان الله وَعَدَنا بتصفيدهم فى هذا الشهر الفضيل، إلا أن أتباعهم وأذنابهم لا يزالون يرتعون إفسادًا وإغواءً لنا بكلّ ما أُوتوا من إغراءات دنيوية، مُسْتَغِلِّين ضَعْفَ نفوسنا وانجرافنا وراء أهوائنا!
فَلْنُرَتِّب برنامجنا اليومى فى شهرنا الرمضانى هذا، بحيث لا نَدَعْه يتفلَّت من بين أيدينا دون أن نستثمره على أفضل وجْه، كما أمَرَنا اللهُ تعالى وأرْشَدَنا رسولُه الكريم، فيكون شاهدًا لنا يوم العَرْضِ على الخالق سبحانه إن شاء الله، وليس شاهدًا علينا.
ولنتذكَّر أنَّ أيامَه تجرى مُسْرِعة، فإن كنّا نقول له اليوم: أهلاً، فغداً سنجد أنفسنا نخاطبه: تَمَهَّل قليلا يا رمضان، ثم وداعاً يا شهر الصيام! وهذا هو عَهْدنا وعَهْد سَلَفَنا الصالح معه مُذْ اختصَّه المولى عزَّ وجلَّ بنزول القرآن وفضَّله بـ"ليلة القدر".
فَالْكَيِّسُ الفَطِنُ من رَوَّض نفسَه وألزمَها منهجا يُخرجه من هذا الشهر ليس فقط كيوم وَلَدَتُه أُمُّه مُبَرًّأ من الذنوب والمعاصي، وإنّما غَانِمًا برحمَات الله وغفرانه، مُتَعَشِّمًا مُتَطَلِّعًا إلى مُرافقة سيّد الخَلْق فى جِنان ربِّ الخَلْق.
وليت كُلًّا مّنا يضع لنفسه برنامجا يوميّا من أول يوم رمضانى- حسب ظروفه الوظيفية والاجتماعية- بحيث لا يطْغَى طرفٌ على الآخر، مع تغليب المِنْحَة الربّانيّة فى هذا الشهر الفضيل، لأن الواحد منّا لا يدرى إن كان سيعيش لرمضان المُقبل وبأى حال سيكون! وليُصحِّح ويُقَيِّم كلٌّ منّا درجة التزامه بهذا المنهج، وليعطى نفسه بالزيادة والعَشَم طمعًا فى رضوان الله وعفوِه وكرَمه، فهو خير من سُئِل.
ولْيَكُن على رأس قائمة البرنامج: التطبيق العملى لقيم ومبادئ الدين الحنيف فى معاملاتنا الحياتيّة، سواء مع الأبناء والأهل والأصدقاء والجيران والناس فى الأسواق والشوارع، وليس علاقتنا الخاصّة بربِّنا، فهذه تعود علينا نحن، وإن لم تؤتْ ثمارَها بالترجمة العمليّة والتجسيد الفعلى على أرض الواقع، فلا فائدة ولا نفع فيها، فقد لخَّص سيّدنا رسول الله جوهر رسالته بقوله " إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ" وفي روايةٍ (صالحَ)، فلَيْتَنَا نُدرك هذه الحقيقة ونعمل على إخراجها إلى واقعنا، ونحن نسعى جاهدين للاقتداء بسيّدنا رسول الله، وحتّى نفوز بما نالَه سَلَفُنا الصالِحُ، ونستحقّ شَرَف الانتساب إلى هذا الدين العظيم ونبِيِّه الكريم.
مرّة أُخرى، أهلا رمضان، وتَمَهَّل معنا واصبر علينا، ولا تكنْ مُتَعَجِّلا فتغادرنا مُسْرِعًا، نحن فى أَمَسِّ الحاجة إلى بقائك معنا طويلا، لُنَقَوِّم حياتَنَا على السلوك والصراط المستقيم، ولْتَكُن حياتُنا إسلامية إنسانية وليست رمضانية مُؤقَّتة!