لوحة الفسيفساء التي تتسم بها منطقة الشرق الأوسط منذ 40 عاما تقريبا على وشك الانهيار، أو على أقل تقدير إعادة تركيب قطعها بشكل جديد ينبيء بمرحلة مختلفة تماما عما سبق.
هناك صراعات معقدة نشهدها حاليا، أخرها وأخطرها ما يحدث في قطاع غزة والتهديد الإسرائيلي باجتياح مدينة رفح في القطاع التي تمثل لمصر خطا أحمرا لا يمكن تجاوزه. وبالفعل القاهرة تتعامل بحكمة بالغة مع الموقف، وهى أيضا لم تسقط من حساباتها اى سيناريو قد تلجأ إليه حكومة بينيامين نتنياهو المنقسمة على نفسها، وأعلنت أكثر من مره أنها مستعدة لكل السيناريوهات، بما فيها تجميد معاهدة السلام التاريخية (كامب ديفيد)، وما يمكن أن يلي تلك الخطوة من تداعيات.
بالمنطق، وبكل الحسابات والمعادلات السياسية والاقتصادية، تؤكد انه مهما بلغ الحمق من قادة اسرائيل وتجاوز مداه في قطاع غزة، فانه لن يجرؤ على المساس بالخط الأحمر المصرى بل انها ستنفذ تقريبا كل الاشتراطات التي طلبتها القاهرة وأهمها تأمين حياة أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني المحشورين في رفح قبل أى اجتياح بالإضافة الى التوصل الى هدنة وصفقة للافراج عن الرهائن والفلسطينين.. لأن أى خطوة طائشة من جانب تل ابيب في هذا الجزء الجغرافي من غزة ستكون تداعياته اشبه بسقوط أحجار الدومينو .. وخيمة ومدوية كما ان مواجهة اثارها لن يكون في مقدور احد تحمل تبعياتها.
ولن نبالغ اذا قلنا أن هذا التجاوز في حد ذاته فقط كفيل بأن يعيد منطقة الشرق الأوسط الى نقطة الصفر من الصراع العربي الإسرائيلي، والمحاذير ستكون بالجملة :
-ان إسرائيل ستضع نفسها في مواجهة مع مصر أقوى جيش في المنطقة. هذه المواجهة سيسقط معها اى انقسام عربي ، وهى الوحيدة القادرة على احياء مفهوم القومية العربية الذى لم يسقط بالتقادم.
-لن تجد إسرائيل حليفها الأمريكي الذى يستعد للانتخابات الرئاسية جاهز لتقديم المزيد من المساعدات العسكرية لها في حال تنفيذ هجومها على رفح، وواشنطن نفسها هددت بتجميد المساعدات بل الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ، ولم تستبعد التخلي عنها في مجلس الأمن الدولى. والخلافات بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ونتنياهو وصلت الى حد السباب، والتهديد والوعيد.
فالولايات المتحدة نفسها مأزومة فهى من فترة وأشارت الإدارات الأميركية المتعاقبة تؤكد عزمها التحول بعيداً من المنطقة مع التركيز بدلاً من ذلك على التحديات التي يفرضها صعود الصين. علاوة على ذلك، تواجه إدارة بايدن أيضاً حرب روسيا في أوكرانيا، مما حدّ بشكل أكبر من قدرتها على التعامل مع الشرق الأوسط. وبحلول عام 2023، كان المسؤولون الأميركيون يئسوا إلى حد كبير وفقدوا الأمل في إمكان إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وسعوا عوضاً عن ذلك إلى التوصل إلى ترتيبات غير رسمية ترمي إلى خفض التصعيد مع نظرائهم الإيرانيين.
وفي الوقت نفسه، كانت الإدارة تعمل على تعزيز القدرة العسكرية الإقليمية في محاولة لإزاحة بعض العبء الأمني عن كاهل واشنطن. ومن اللافت للنظر أن الحرب في غزة لم تؤدِّ إلى تحولات كبيرة في التوجه السياسي الرئيس لواشنطن.
وفي الواقع، قد تؤدي ديناميكيات الحرب المتزايدة التعقيد إلى تضاؤل رغبة واشنطن في التدخل في المنطقة. ومن المستبعد أن يشكل تعزيز الالتزامات في الشرق الأوسط استراتيجية رابحة لأي من الحزبين السياسيين الأميركيين في عام انتخابي حاسم.
-الأوروبيون هم أيضا لن يكون لهم اى رغبة في تقديم يد العون لتل ابيب، خاصة انهم يعانون أصلا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وزادت الحرب في غزة وما يحدث في البحر الأحمر من كابوسهم الاقتصادي. حتى بريطانيا التي تعد من اشد المؤيدين لإسرائيل ترفض اجتياح رفح.
-ستزداد الصورة قتامة مع النهج المعارض للامين العام للأمم المتحدة، الذى يرى ان إسرائيل منذ بداية الحرب ان اجتياحها لغزة هو تجاوز غير مبرر.
-اذا اضفنا الى ذلك موقف كلا من روسيا والصين الرافض للسلوك الاسرائيلي، فإن الطريق الذى يسلكه نتياهو سيمثل أقوى كارثة تتعرض لها إسرائيل منذ نشأتها.
-الاجتياح سيمنح ايران مبررا اقوى لدعم نفوذها ليس فقط في اربع عواصم عربية بدعم عسكرى ومذهبي، لكنه سيمتد ليشمل عواصم أخرى. ولعل هذا هو ما تنتظره طهران من زمن لدمجها سياسيا واقتصاديا في المنطقة.
-إسرائيل على مدى العقود الثلاثة الماضية كانت تستثمر في علاقات السلام مع الدول العربية والخليجية في محاولة منها للاندماج في المنطقة، وهى بالفعل حققت الكثير، ولن نبالغ اذا قلنا انها حققت اكثر مما كانت تطمح اليه، فهى تقريبا لديها علاقات بين وثيقة وقوية مع اغلب البلدان العربية حتى تلك التي لم توقع معها معاهدة سلام مباشرة، هذه العلاقات ضمنت لها طرق تجارة وسياحة لم تكن لتحصل عليها أبدا، ومن خلالها اوجدت لها موطئ قدم في الخليج العربي قبلة رؤوس الأموال ورجال الاعمال، حتى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط واسرائيل وأوروبا الذى تم اطلاقه على هامش قمة مجموعة العشرين التي عقدت في نيودلهي في سبتمبر من العام الماضي، ويأتي في إطار مساعي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمواجهة مشروع البنية التحتية العالمي الهام للصين سيصبح تنفذه محل شك، ومشاركة تل ابيب غير مقبولة…اذن خسائر تجاوز الخط الأحمر المصرى، غير ممكن وعواقبه غير محتملة.
ولكن يبقي أن المهمة الأكثر إلحاحاً حاليا حتى قبل التباحث في موضوع اليوم التالى للحرب،هي أن القوى الإقليمية ، عليها أن تسعى إلى إقامة ترتيبات أمنية إقليمية جديدة وأكثر قوة قادرة على ضمان حال من الاستقرار، بغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة ستتولى زمام المبادرة أو لا.
لقد طال انتظار قيام الشرق الأوسط بإنشاء منتدى دائم للأمن الإقليمي يعمل على خلق مساحة دائمة للحوار بين قواه. وسيتطلب تحويل المأساة إلى فرصة وجهوداً حثيثة والتزاماً على أعلى المستويات السياسية. ولكن بقدر ما قد تبدو هذه الرؤية بعيدة المنال اليوم، إلا أن الزعماء في الشرق الأوسط يستطيعون إيقاف دوامة العنف وتوجيه المنطقة نحو مسار أكثر إيجابية.