رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها تبقي أسمي معاني الحياة، رفعة الغاية ونبل الهدف، والعيش بعزة وكرامة أو الموت بشرف في الميدان، وهو شعار الأحرار مهما اختلفت العقائد والأديان.

وبقلوب موجوعة وبمشاعر مؤلمة وحزينة، تلقي أبناء المعمورة صدمة انتحار الجندي"أورون بوشنيل"، مسيحي الديانة وهو يردد "فلسطين حرة".

الجندي "الفقيد" رفع صوته عاليا في مشهد (فيديو النهاية) بثه على الهواء قبل أن ينتحر مطالبا بـ "تحرير فلسطين".
وقال قبل أن يقدم علي إحراق نفسه : أنا عضو نشط فى القوات الجوية الأمريكية، ولن أكون متواطئاً بعد الآن فى الإبادة الجماعية.
وأضاف:" أنا على وشك المشاركة فى عمل احتجاجى متطرف، لكن مقارنة بما شهده الناس فى فلسطين على أيدى الإسرائيليين فهو ليس متطرفا على الإطلاق" !.

ورغم قسوة المشهد الذي أحزن وأدمي قلوب مئات الملايين من الأحرار في مختلف بقاع المعمورة، وربما المليارات من شعوب الدنيا، لكنه ترك جملة من الرسائل الإيجابية الداعمة لأهل غزة تضاف لنفضة شعوب العالم في مشارق الارض ومغاربها، والتي فضحت أفعال الصهاينة وأذنابهم ومناصريهم لإشاعة الفوضي، وتنفيذ مخططات الدمار والتشريد، والتهجير القسري لأهل فلسطين وتصفية القضية للأبد.

أضرم “بوشنيل” الجندي في سلاح الجو الأمريكي النار في نفسه، مساء الأحد الماضي، أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في واشنطن.. بعد أن وضع هاتفه على الأرض وتوجه بثبات نحو باب السفارة مرتديا زيه الرسمي، ونزع قبعته ليصب مادة حارقة على رأسه ويعيد قبعته، ثم أدخل يده في جيبه ليشعل النار، وفي ثوان اندلعت النيران في جسده.. وهو يصرخ "الحرية لفلسطين" مراراً وتكراراً حتى توقف عن التنفس!.

وقد تم نقل "بوشنيل" في حالة حرجة بعد إخماد الحريق من قبل ضباط الخدمة السرية، ليعلن لاحقا عن وفاته متأثرا بحروقه البليغة، فيما وصف المشهد سريعا بعض أبواق الإعلام الأمريكي: لم تعرف بعد ظروف قيام الجندي بإضرام النار في نفسه وفيما إذا كان يعاني من أزمة نفسية!.

وبعد إقدام "بوشنيل" على الانتحار توجهت أنظار رواد شبكات التواصل الاجتماعى إلى حسابات الرجل لمعرفة خلفيته ودوافعه..
وآخر ما كتبه على حسابه على موقع "فيس بوك": "يحب الكثير منا أن نسأل أنفسنا: ماذا كنت سأفعل لو كنت على قيد الحياة أثناء العبودية؟ أو في "جيم كرو الجنوب"؟ فى إشارة إلى مصطلح أصبح شائعا الاستخدام فى الغرب فى ثمانينيات القرن التاسع عشر عندما صار الفصل العنصرى مشروعاً فى كثير من الأجزاء الجنوبية للولايات المتحدة.
وتابع : "ماذا سأفعل لو كانت بلدى ترتكب إبادة جماعية؟ الجواب هو أنك تفعل ذلك..الآن".

وتبقي الرسائل والإشارات حين تهون الحياة الدنيا ويختنق صوت الحرية، فإما الموت كمدا أومغادرة الحياة اختيارا بشرف وأنفة، انتصارا للقيم الإنسانية ورفضا للظلم وازدواجية المعايير!.

وقد يختلف البعض في صور التعبير عن الرأي بالقول أو الفعل أو الإضراب أو العصيان، أو ارتكاب أعمال عنف أو حرق للسفارات، لكن فكرة مغادرة الحياة بهذه الطريقة البشعة واختيار الانتحار حرقا، هو أمر صادم ويثير العشرات من علامات الاستفهام والتساؤلات، كما أنه يحمل جملة من الإشارات والرسائل المؤلمة لمن يهمه الأمر!.

وفي لحظات احتبست فيها أنفاس شرفاء العالم، ورحل "أورون بوشنيل" تاركا جملة من الرسائل للإنسانية الجريحة، وللضمائر الفاعلة المغيبة لعلها تستفيق من صمتها وثباتها العميق!.

أولها رسالة احتجاج شديدة اللهجة لبلاده "شرطي العالم، ورئيس مجلس إدارته" بضرورة مراجعة مواقفها السياسية تجاه قضية فلسطين وتداعياتها باعتبارها الداعم الأكبر لممارسات إسرائيل في غزة، حيث حشدت الولايات المتحدة بوراجها العملاقة وحاملات الطائرات لنجدة الكيان الصهيوني منذ الأيام الأولى لحرب غزة وقدمت الكثير والكثير من صور الدعم العسكري، واللوجستي، والاستخباراتي لسحق المقاومة الفلسطينية، كما أنها تملك أوراق الضغط علي اسرائيل لوقف هذا العدوان الآثم.

كما تكشف رسائل "بوشنيل" النقاب حول مدي جدوي هذه الحرب وأهدافها الخبيثة وعلاقاتها، بالصراع الدولي مع دول المعسكر الشرقي، التي تتأهب لتدشين نظام عالمي متعدد الأقطاب، والذي يستهدف تحجيم النفوذ الأمريكي والحد من هيمنتها ودول الغرب علي دنيا السياسية والاقتصاد.

ثم جاءت الرسائل للمجتمع الدولي المتخاذل عن اتخاذ قرارات حاسمة لوقف إطلاق النار وممارسات الإبادة الجماعية، التي إقتربت من تمام شهرها الخامس.
كما تحمل الأمم المتحدة ومنظماتها مسؤولية هذا الصمت المريب، وهذا النكوص والتراجع المخزي عن اتخاذ قرارات فاعلة ومؤثرة لوقف هذه المهزلة الإنسانية المتصاعدة، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلا.

إنها إشارات ورسائل تفضح أيضا ما اقترفته اسرائيل من ارتكاب مجازر جماعية وجرائم لا أخلاقية وبيئية لإفناء كافة صور الحياة الإنسانية..
إنها رسائل لضمير العالم ..لعل وعسى!.

وكما يفضح المشهد الوجه القبيح لساسة واشنطن وحلفائها، فإنه يذكرنا بالتاريخ القبيح
لما اقترفوه من ضغوط نفسية لمحاربيهم في ميادين القتال، بعد أن تخلي قادتهم طوعا عن القيم الإنسانية وأخلاق الفرسان، وعرف هؤلاء ما يسمي بفلسفة وعقيدة "الهاراكيري"، أوبموروث الانتحار من أجل الشرف العسكري، الذي يضع الاعتبارات الإنسانية فوق كل اعتبار.
وبعيدا عن الشرائع السماوية التي تحرم وتجرم قتل النفس بالنفس، فإن البعض يتخذ الانتحار وسيلة، وفلسفة للتعبير عن قضاياهم وأفكارهم أو للدفاع عن كرامتهم وإنهاء الحياة في شجاعة وشرف.

ومن أبرز تلك الموروثات فلسفة "الهاراكيري"، حيث يقطع المنتحر أحشائِه بخنجر، وذلك بشَقِّ بطنه بخطٍّ أفقي من الشمال إلى اليمين، ثم يواصل الشقَّ رأسيّا إلى أسفلِ البطن، ولأن هذه الطريقة لا تُسبِّب الموت الفوري بل يظل المنتحر يُعاني من الآلام الرهيبة، فلا بد من وجود شخصٍ يقوم بقطع رقبته على الفَور حتى يُريحه من هذه الآلام!.
ويُقال إن أول من أقدَم على الانتحار بطريقة «الهاراكيري» في اليابان هو المحارب «ميناموتو نو تاميموتو» في عام 1177 ميلاديّا، وانتشرَت بعد ذلك بين 'الساموراي" منذ ذلك العصر وحتى عصر انتهاء طبقة الساموراي بإنتهاء المجتمع الطبقي في عصر "ميجي".

ومن الحالات التاريخية لانتحار القادة العسكريين، جاء انتحار القائد الألماني روميل، والذي يعد من أفضل القادة العسكريين الألمان إبان الحرب العالمية الثانية في شمال إفريقيا، حيث قاد إحدى أشهر معارك الحرب العالمية، وواجه الحلفاء في موقعة العلمين بمصر.
وأُرغم روميل على الانتحار في 14 أكتوبر 1944، وهو في الثانية والخمسين بعد شكوك حول صلته بضباط تآمروا على أدولف هتلر.

وبعد سنوات من الحرب في العراق، والتي اندلعت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي ضربت معدلات الانتحار وسط الجنود الأميركيين العائدين رقما قياسيا، لتصل إلى حالة انتحار واحدة يوميا، وهو ما شكل نحو 20 % من مجمل عدد حالات الانتحار في الولايات المتحدة، وفقا لتقارير أعلنتها هيئة الإذاعة البريطانية.

وفي عام 2006، وضعت قيادة الجيش الإسرائيلي المحتل خطة لمواجهة حالات الانتحار، فوسَّعت وحدة العلاج النفسي في الجيش، وأتاحت تسريح الجنود المكتئبين من الخدمة.

وفي عام 2014 انتحر ثلاثة جنود من لواء "جفعاتي" أحد ألوية النخبة على خلفية مشكلات نفسية لها علاقة باشتراكهم في العدوان على قطاع غزة في هذا الحين، ومن المعروف أن الانتحار ظاهرة قديمة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بلغ معدلها حوالي 30 جندياً في السنة.
وفي النصف الأول من عام 2022 كشفت تقارير عن الارتفاع الكبير في حالات الانتحار بصفوف الجيش الإسرائيلي، حيث أقدم 11 جندياً على وضع حد لحياتهم.

ومن المعسكر الشرقي، ولأسباب مشابهة انتحر عالم صواريخ روسي وموظف في أكبر شركة مصنعة للأسلحة في البلاد بعد أن تسبب صاروخ ساعد في إنتاجه إلى مقتل جدته في منطقة "خاركيف" شمال شرق أوكرانيا، وفقاً لتقرير نشرته مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
كما كشفت رسالة عثر عليها بجانب جثة جندي روسي يدعي "سيرجي جريدين" أقدم على الانتحار مؤخراً، قال فيها: "لن ألطخ يدي بالدماء"، وأشار في رسالته أنه تعرض للتعذيب على أيدي قادته لرفضه القتال في أوكرانيا...
وتمضي الأحداث رغم تشابك وتعقد ضبابية المشهد في غزة، وكثرة والوعود والمناورات الكاذبة لوقف هذه الحرب اللأخلاقية.
وتبقي أطروحات ومبادرات أرض الكنانة علي قمة المساعي الأممية الجادة للخروج من نفق الأزمة، وإقرار حق الشعب الفلسطيني في الحياة وفي وطن آمن.
ولا ريب أن مواقف مصر الحازمة، والرافضة للضغوط المتتالية خير شاهد ودليل، حيث قلبت موازيين المعركة وحسابات الكيان المحتل في إتمام خطة التهجير القسري لأبناء فلسطين الصامدين.
وجاءت مرافعة مصر أمام محكمة العدل الدولية قبل أيام لتفند أكاذيب وادعاءات الكيان الإسرائيلي، كما عرضت لمختلف صور ومشاهد مجازر الإبادة الجماعية لأهل غزة والجرائم اللأخلاقية والبيئية لإفناء كافة صور الحياة الإنسانية بقطاع غزة ومحيطه..
ورغم الجراح المندملة،
غياب العدالة الأممية الناجزة حتي كتابة هذه السطور ، ستظل فلسطين حرة وشامخة، والنصر آت لا محالة ولو كره الكارهون.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة