من الألف إلى الياء
لا يختلف إثنان أن هناك قوي مغرضة تريد توظيف الظروف الاقتصادية والمتغيرات الإقليمية لإدخال أرض الكنانة في دوامة لا قرار لها ولاخروج منها، وانتهاز فرصة أزمة العملة الصعبة المفتعلة لتنفيذ مخططات وسيناريوهات الفوضي الخبيثة المعدة سلفا.
وفي هذه المرحلة الحرجة التي تستهدف الضغط علي أرض الكنانة وتطويع إراداتها وإخضاعها لقبول مخططات التهجير القسري وتصفية القضية الفلسطينية وتنفيذ صفقة القرن، أصبح لزاما تكاتف كل الجهود الوطنية للتحصن من تداعيات هذه الموجة العاتية، والخروج الآمن من براثن من يضمرون لمصر كل سوء وأذي.
أتصور أن المسؤولية الآن تقع علي الجميع، إضافة لجهود الدولة الرقابية وما تتخذه من قرارات وإجراءات، وما تسنه مؤسساتها التشريعية من لوائح رقابية وحمائية وتصحيحية، ومن قبل القوانين تظل يقظة الضمائر ، والشعور بالمسؤولية والانتماء هو الفيصل لتجاوز هذه التحديات.
وعليه فإن أبناء مصر جميعا وفي مقدمتهم رجال أعمال في محطة فارقة لإثبات الوجود وتدارك بعض الخطايا، وصناعة هذا النموذج المفقود، الذي عرفته مصر في كافة أوقات المحن والشدائد.
كما أنها فرصة لمحو آثار الصورة الذهنية السيئة بعد استمرار الإتهامات الشعبية لعدد كبير منهم عبر مختلف وسائل التواصل، بأنهم أسهموا في تعميق مشكلة الدولار . ومن ثم مشكلات ارتفاع الأسعار عبر مجموعة من المضاربات والمزايدات وعمليات تخزين السلع واحتكارها حتي ترتفع أسعارها، علاوة علي اتهامات إخفاء العملة الصعبة وصنع سوق سوداء موازية، وتوظيف الأزمات لصالحهم.
ووفقا لما عايشه المصريون فقد تورط فصيل منهم في فكرة تجميع السلع الغذائية الاستراتيجية المدعمة والاتجار في المواد التموينية بصورة غير مشروعة، وبيعها بأسعار باهظة، وتحقيق أرباح طائلة علي حساب التلاعب بمقدرات وقوت المواطنين.
الآن الجميع في مركب واحد، وإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلي ضده، وفي تقديري أن لدي بعض رجال الأعمال حلول مبدعة لتجاوز المرحلة، ولهم أدوار مهمة نحو دعم مشروعات التكافل الاجتماعي، والمعارض المخفضة للسلع التي تنظمها الدولة في مختلف المحافظات.
وهناك مقترحات تنتظر ترجمات وآلية عملية لخفض تكلفة الإنتاج، والاستغناء ولو بصورة تدريجية عن ضغوط العملة الصعبة، ووقف عمليات الاستيراد للسلع الاستهلاكية المستفزة والبحث عن بدائل محلية للأعلاف ومختلف مستلزمات الإنتاج في سبيل خفض الاسعار إلي المستوي المقبول الذي يتواءم مع البسطاء ومحدودي ومتوسطي الدخل.
بلادنا في انتظار مبادرات عملية من أرباب ورجال الأعمال، صغارا وكبارا والذين صنعوا أمجادهم وثرواتهم، واستثمروا أموالهم في أحضان الوطن، فقد حان وقت رد الجميل والوفاء لمصرنا الغالية، التي هيأت المناخ الآمن للاستثمار ، وفتحت ذراعيها ووفرت لهم ولكافة المستثمرين من العرب، والأجانب كل التسهيلات الائتمانية والتمويلية واللوجستية لإقامة مختلف المشروعات التنموية والاستثمارية.
اعتقد أن رجال الأعمال يمتلكون الكثير من مفاتيح الحل، والتوصل لكلمة السر والإسهام بصورة عملية في فك طلاسم وألغاز هذه الأزمة، وكبح جماح الإرتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، بصورة مفتعلة وغير مبررة !.
وقد يتوهم البعض منهم ومن الطامحين للانضمام إلى "المعسكر الرأسمالي"، أن الاستغلال والمضاربة وإخفاء السلع فرصة لتحقيق الثراء الفاحش والأرباح الطائلة، ولا يدرك هؤلاء العواقب الوخيمة والنتائج السلبية المترتبة علي استمرار هذا التغول والاستثمار غير المشروع، وحصاده المر كالكساد والركود والمقاطعة وحدوث شلل لاقدر الله في كافة أوجه الأنشطة التجارية، وهم أول الخاسرين !.
إن بلادنا الآن في حاجة دهرية للاستثمار العادل المتوزان الذي يحقق صالح الوطن والمواطنين في صورته الشاملة، مع الالتزام بالأبعاد الإنسانية والأخلاقية ومتطلبات المسؤولية الاجتماعية.
لقد بدأت الحكومة كما أعلن مجلس الوزراء مؤخرا إجراءات تقشفية وتحديد الأولويات وهي خطوة مهمة نحو الإصلاح.
كما وافق المجلس على تخفيض قدره 15 بالمئة في الخطة الاستثمارية بالموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2023-2024م.
وأكد مجلس الوزراء أيضا أنه لن يتم البدء في مشاريع جديدة في هذه السنة المالية، ولكن سيتم إعطاء الأولوية للمشاريع التي اكتملت بنسبة 70 بالمئة أو أكثر.
كما وافق المجلس على مشروع قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن ترشيد الإنفاق الاستثماري بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية في ظل الأزمة الحالية.
كما تضمنت الضوابط تأجيل تنفيذ المشروعات حديثة الإدراج بالخطة وحظر إبرام أية تعاقدات على تلك المشروعات سواء بالأمر المباشر أو المناقصات العامة حتى 30/6/2024، وكذا عدم التعاقد على شراء سيارات الركوب حتى نفس التاريخ، التركيز على الاحتياجات الاستثمارية الضرورية والملحة دون غيرها، في ضوء الالتزام بالتوجيهات الخاصة بترشيد الإنفاق وخفض سقف الدين الخارجي وتشجيع المنتج المحلي والصناعة الوطنية.
كما أكدت الضوابط عدم التعاقد على أي تمويل خارجي، أو البدء في أي مشروع حتى من خلال مكون محلي يترتب عليه قرض أو مكون أجنبي إضافي.
واعتقد أن مبادرة الحكومة هي خطة مهمة نحو الخروج من الأزمة ، وإشارة لجميع المواطنين باتباع آليات عملية للترشيد وتحديد الأولويات والاستغناء عن السلع الترفيهية وضبط الاستهلاك في السلع والخدمات.
ولا ريب أن التنمية المستدامة والحقيقة في بلادنا لن تؤتي ثمارها إلا من خلال القيم التشاركية والتوافق المجتمعي نحو الارتقاء والنهوض، فلن يفيد من الانجازات شيء، ولن يعلو البناء يوما إذا كنت تبني وغيرك يهدم!.
مصر عامرة بكل خير وتتميز باقتصاد متنوع ، وفي يقيني أن جميع فئات المجتمع في خندق واحد ويجب أن تكون هناك هدنة ترشيدية ومراجعة جادة لأنماط وفاتورة الاستهلاك ، وأولويات الواردات، ودعم الإنتاج المحلي وتنشيط الصادرات لضبط ميزان المدفوعات، مع الضرب بيد من حديد على أيدي المضاربين وتجار السوق السوداء الذين تسببوا في هذه الموجة العاتية من الأزمات.
إن بلادنا تستحق منا نوعا من التضحية والفداء والوفاء، لإعادة الحسابات وتصحيح المسار لتجاوز تلك المرحلة الصعبة ومواجهة كافة التحديات السياسية والاقتصادية.
وستظل مصر شامخة وصامدة رغم كيد المرجفين والحاقدين والمستغلين.