رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"ربما تتمخض الظروف السيئة عن حسنة لم تكن في الحسبان" هذه المقولة صاغها الكاتب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد في كتابة "حياة قلم" قبل ما يقرب من ٦٠ عاما، بهذه المقولة يمكن ان نفهم جزء من المشهد السياسي العبثي الذي تعيشه المنطقة في ظل حروب وأزمات طاحنة.
وأخر تداعيات هذا المشهد كان قرار محكمة العدل الدولية يوم الجمعة الماضي حول الحرب في غزة بناء على دعوة تقدمت بها جنوب افريقيا بهدف وقف الحرب وإدانة إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، ولكن القرار جاء بما لا تشتهي به السفن العربية، إذا رفض القرار الزام إسرائيل بوقف الحرب في غزة، وهو ما منح تل أبيب مبررا إضافيا لاستمرار القصف بكل أنواع الأسلحة، كما طالب القرار حركة حماس بالافراج عن جميع الأسري المحتجزين لديها منذ هجمات السابع من أكتوبر الماضي، دون أن يلزم إسرائيل نظير ذلك بالافراج عن الأسري الفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال.
في مقابل تلك السيئات في قرار المحكمة ، كان هناك حسنة أو أكثر يمكن البناء عليها مستقبلا، ووفقا لنص القرار فإن بعض تصرفات إسرائيل في قطاع غزة خلال الحرب المستمرة ضد حماس يمكن أن تندرج ضمن شروط اتفاقية الإبادة الجماعية"، وقالت المحكمة "إنه يتعين عليها بالتالي اتخاذ سلسلة من الإجراءات لتجنبها".
هذا القرار، الذي تم اتخاذه بأغلبية 15 صوتًا مقابل صوتين، يلمح وقد يشير الي ان هناك "معقولية" فقط لادعاءات جنوب أفريقيا بأن الفلسطينيين يحتاجون إلى الحماية من الإبادة الجماعية، وهو بذلك يضر بإسرائيل علي الرغم من المحكمة لم تري في أهوال تلك الحرب أي مبرر للمطالبة بايقافها! ويشير إلى أن المحكمة تعتقد أن الإبادة الجماعية قيد التنفيذ.

الأهم من ذلك، لم تستخدم المحكمة كلمة "الكف" في قرارها، وهو ما كانت تعتقد أن الإبادة الجماعية تحدث بالفعل. وهذا بالتآكيد يخفف من الضغوط الدولية علي إسرائيل، إلا أن قبول المحكمة بوجود كما اشرنا ب "معقولية" لبعض ادعاءات جنوب أفريقيا قد يتسبب في الإضرار بسمعة إسرائيل وجهودها الدبلوماسية.. وهنا يمكن ان نلمح بعض الحسنات التي تمخضت من الظروف السيئة.
وهناك نقطتان رئيسيتان من قرار محكمة العدل الدولية ، الاولى والأكثر أهمية هي أنه من خلال اللغة المستخدمة في القرار، يمكن القول بحذر أن المحكمة لا يبدو أنها تعتقد أن إسرائيل ترتكب حاليا وبالفعل جريمة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. لو كان الأمر كذلك، لكانت المحكمة قد وافقت بكل تأكيد على مطلب جنوب إفريقيا بأن توقف إسرائيل بشكل فوري وأحادي عمليتها العسكرية في غزة، وكانت ستستخدم أيضا كلمة "التوقف" في أمرها، كما استخدمتها جنوب إفريقيا صراحة في دعواها ضد إسرائيل. النقطة الثانية، هي قبول المحكمة الادعاء بأن الفلسطينيين في غزة بحاجة إلى الحماية من الإبادة الجماعية "معقولة"، تشير هذه الخطوة إلى أن المحكمة لا تعتقد أن مزاعم جنوب إفريقيا المثيرة للجدل لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، وهذا الجانب من القرار هو الذي يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة بالنسبة لموقف إسرائيل وسمعتها الدولية ومكانتها الدبلوماسية. لأنه، كما قالت رئيسة المحكمة جوان دونوهيو، فإن المحكمة لا ترفض القضية بشكل كامل، كما طلبت إسرائيل. ومن المؤكد أن هذا سيعطي دعما للدعوات الدولية لفرض عقوبات تجارية وحظر توريد أسلحة ضد إسرائيل.
إن المعيار في هذه العملية الاولية ليس ما إذا كانت إسرائيل ترتكب جريمة إبادة جماعية، بل فقط ما إذا كانت هناك "معقولية" لادعاءات جنوب إفريقيا بأن الفلسطينيين غير محميين، والفشل في التأكيد على هذه المعقولية سيعني رفض القضية بالكامل. واعتمدت المحكمة في قرارها علي بعض تصريحات المسئولين الاسرائيلينن مثل تلك التي ادلى بها وزير الدفاع يوآف جالانت في بداية الحرب بشأن فرض حصار كامل دون طعام وماء ووقود وكهرباء، ووصف سكان القطاع بلفظ "حيوانات بشرية" التي ذُكرت في المحكمة. ونظرا لمستوى الدمار في غزة، والخسائر الفادحة في أرواح المدنيين والظروف المروعة التي يواجهها سكان غزة حاليا، فمن الواضح أن المحكمة وقضاتها لم يظنوا أن بإمكانهم رفض الدعوى بشكل قاطع.

وهكذا فإن إسرائيل وبعد هذا القرار باتت تقف في قفص الاتهام بتهمة الإبادة الجماعية، حيث تقول محكمة العدل الدولية إن هناك دليلا ظاهريا على أن هناك قضية يتعين على إسرائيل الرد عليها.. والاشارة هنا الي شبهة الإبادة التي تلاحق إسرائيل حاليا وربما في المستقبل يمكن ان تتحول الشبهة الي حقيقة مؤكدة وجريمة مكتملة الأركان قد تطال ليس إسرائيل فقط بل ومن عاونوها بالسلاح المستخدم في عمليات الإبادة،، هكذا ينص الاتهام بالابادة الجماعية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة