من الألف إلى الياء
في الصراع الوجودي مع الحياة يشهد أبناء المعمورة حالة من التغيرات الطبيعية والوجدانية تتسارع وتيرتها بصورة غير مسبوقة تشكل أطر العلاقات بين الدول وأنماط التعايش مع البيئة الإنسانية ، إما سلبا أو إيجابا.
ويبقي السؤال إلي أين يتجه العالم؟ .. مع استمرار الصراعات السياسية وتداعيات التغيرات المناخية والبيئية ،وبدء مؤشرات عملية لذوبان الجليد نتيجة للاحترار الكوني وزيادة معدلات درجة حرارة الأرض نتيجة لتزايد الأنشطة الصناعية،وبصورة غير مسبوقة.
الحصاد المؤلم للكارثتين العظميين تسببت فيهما القوي الصناعية الكبري الرافضة لدعوات التهدئة والتوصل لهدنة إنسانية لالتقاط الأنفاس وتصحيح المسار ،مدعومة بقوي خفية يتجاوز نفوذها حدود الدول وما تعارف عليه الناس من قوانين وتعهدات ومواثيق محلية وأممية!.
وفي هذا الشأن وقبل عام تقريبا أطلق "جوتيريش" الأمين العام للأمم المتحدة تصريحات صادمة ومحبطة حول المستقبل المرعب لتأثيرات التغيرات المناخية،مؤكدا أن العالم سيخسر المعركة.
ووصف الوضع الراهن قائلا : إن العالم في حالة مؤسفة يرثى لها، بسبب عدد لا يحصى من التحديات "المتداخلة" بما فى ذلك تغير المناخ والحرب الروسية فى أوكرانيا والتى تتراكم فى سلسلة من ردود الأفعال، وذلك فى اجتماع المنتدى الاقتصادى العالمى آنذاك.
وحذر "جوتيريش" من المستويات الأكبر للانقسام "الجيوسياسي" وانعدام الثقة في الأجيال ،مما تقوض من الجهود المبذولة لمعالجة المشاكل العالمية والتي تشمل أيضا اتساع عدم المساواة وأزمة تكلفة المعيشة الناجمة عن ارتفاع التضخم وأزمة الطاقة والآثار المستمرة لوباء كوفيد19، فضلا عن اضطرابات سلاسل التوريد ، وغيرها.
وشدد أن تغير المناخ أمسي "تحديا وجوديا" ،مشيرا إلى أن دراسة حديثة وجدت أن العلماء قدموا تنبؤات دقيقة بشكل ملحوظ حول تأثيرات تغير المناخ منذ سبعينات القرن الماضي ،وأن بعض منتجي الوقود الأحفوري كانوا مدركين تماما أن منتجهم الأساسي سيتسبب في إحراق وتدمير كوكبنا.
كما أكد أن الطاقة المتجددة هي المسار الوحيد الموثوق به للمضي قدما إذا أراد العالم تجنب حدوث كارثة مناخية، والخروج من أزماته.
والناظر علي مشهد الأحداث الدولية ،سيري أن الحرب الروسية ما تزال مستعرة ،واشتعلت أزمة حرب غزة قبل ما يزيد عن ثلاثة أشهر ،ويقف الغرب موقفا سلبيا مريبا تجاه جرائم الإبادة الجماعية والممارسات اللانسانية لقوات الاحتلال الاسرائيلي ، كما تحاول أطراف توسعة دائرة الصراع وجر المنطقة لأزمات جديدة.
ومع احتباس الأنفاس انتظارا لما هو قادم، ظهرت علي مسرح الأحداث صورا جلية من تداعيات الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية ،حيث حذر علماء من استمرار ذوبان الكتلة الجليدية المعروف بصفيحة "جرينلاند" ، والتي تقلصت على مدى 4 عقود،و هي كتلة جليدية شاسعة تغطي مساحة 1,710,000 كيلو مترا مربعا، أي ما يقارب نحو 80 % من مساحة جرينلاند.
كما تُعتبر الصفيحة ثاني أكبر كتلة جليدية في العالم، بعد صفيحة القارة القطبية الجنوبية الجليدية.
وفي سياق هذا التأزم المناخي كشفت بعثة الأبحاث القطبية البريطانية "آر آر إس ديفيد أتنبرو" في الأول من ديسمبر 2023 الماضي عن أضخم جبل جليدي في العالم،قدرت مساحته بما يقارب 4 آلاف كيلومتر مربع يبحر شمالاً من القارة القطبية الجنوبية.
وقد تبين خلال تنفيذها لمهمة علمية أن الكتلة الجليدية المعروفة باسم "A 23 A" تعيق طريقها،وتتحرك من موقعها في محيط القطب الجنوبي.
كما أفاد الباحث "إيان ستراكان" من بعثة "إيوس إكسبيديشنز"،
في 21 يناير 2024، أنه كان يُدرك عندما كانت سفينته تمخر عباب بحار القطب الجنوبي أنها تقترب من "عملاق أبيض يطفو في مكان ما أمامه ويحتجب وراء الضباب الكثيف، هو في الواقع أكبر جبل جليدي في العالم،والذي يقدر وزنه بألف مليار طن، ويصل سمكه في بعض الأماكن إلى 400 متر.
وهو يتجه نحو شمال المحيط الجنوبي، ويقع في الوقت الراهن بين جزيرة "إليفانت آيلند" وجزر أوركني الجنوبية،
وقد انفصل هذا الجبل للمرة الأولى عن ساحل القطب الجنوبي عام 1986، مما يجعله في آن واحد الأقدم والأكبر في العالم.
لكنه سرعان ما علق في المياه الضحلة في المحيط، وبقي ثابتاً قي موقعه نحو ثلاثة عقود. وفي عام 2020، لاحظ "أندرو فليمن" من "بريتيش أنتركاتيك سورفي" استناداً إلى صور التقطتها الأقمار الصناعية، أن العملاق الجليدي "A 23 A" "يتأرجح"، وما لبث الجبل أن تحرّر في أواخر العام الماضي 2023 من الموقع الذي كان عالقاً فيه، وبدأ بالتوجه شمالًا.
ولاتزال مسألة تحرك هذا الجبل وعلاقتها بالتغير المناخي محط تساؤل بعدما وصل الجليد البحري الشتوي في القارة القطبية الجنوبية إلى مستوى قياسي من الانخفاض عام 2023.
إلا أن العالِم المناخي "أندرو فليمج" يرجح أن تكوين هذا النوع من الجبال الجليدية هو عملية طبيعية، وأن نهاية كتلة "A 23 A" قد حانت، وأنه يعيش أشهره الأخيرة ، بالقرب من جزيرة جورجيا ،وفي نهاية المطاف سيذوب في المياه الدافئة مثل كل الجبال الجليدية التي تسلك هذا الاتجاه.
ومثلما يتحرك الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية نحو النهاية، ويتراجع كل عام، يفعل ثقب الأوزون ذلك فوق القارة، وقد تزايد خلال عام 2023 بصورة قياسية وغير مسبوقة ،وأظهرت قياسات صور الأقمار الاصطناعية التي تم التقاطها في 16 سبتمبر 2023 أن منطقة ثقب الأوزون قد وصلت إلى 26 مليون كيلومتر مربع، أي ما يقرب من 3 أضعاف مساحة البرازيل، مما ينذر بخطر داهم ..وأهل الأرض عنه غافلون..
و"الأوزون" غاز طبيعي توجد طبقة منه في "الستراتوسفير"،وهي الطبقة الثانية من الغلاف الجوي للأرض لحمايتنا من الأشعة فوق البنفسجية للشمس، وفي عام 1985 تم اكتشاف ثقب في طبقته فوق القارة القطبية الجنوبية، وارتبط تفسير ذلك لاحقا بالاستخدام البشري للمواد المستنفدة لطبقة الأوزون، كزيادة معدل الملوثات ،الغازات السامة ،الانبعاثات الكربونية ،وغيرها من بعض الأسباب المتعلقة بظروف المنطقة..
ويؤدي اتساع ثقب الأوزون إلى تعرض الأرض للأشعة فوق البنفسجية مما يحدث خللا في جهاز مناعة الإنسان ،مع الإضرار بالعيون وارتفاع الإصابة بسرطان الجلد.
أما بالنسبة للنباتات فقد ثبت أن التعرض لكميات الأشعة فوق البنفسجية تلحق الضرر باليخضور وبالتالي انخفاض القدرة الإنتاجية مما يهدد الأمن الغذائي على سطح الكرة الأرضية.
ومع ذوبان الثلوج وتوقعات غرق الشواطيء الشمالية في العديد من الدول، وتزايد حجم ثقب "الأوزون" واستمرار الآثار السلبية للتغيرات المناخية،تقف القوي الفاعلة في العالم بما تملكه من أوراق ومقدرات وأدوات وآليات، عاجزة عن اتخاذ قرارات فاعلة لوقف هذا المسار الإختياري الخاطيء نحو نهاية العالم وبأيدي البشر!.
كما تنحاز الدول الكبري شرقا وغربا لصناعة أزمات جديدة وتأجيج النزاعات الدولية والإقليمية وتنفيذ مخططات الهيمنة وتغيير خريطة العالم.
ومع هذا وذاك ينظر المراقبون والمتفرجون من دول العالم للمستقبل بتوجس وريبة وقلق مع هذا التراجع القيمي وتجمد الضمير الإنساني رغم إحترار العالم المتصاعد.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.