رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله:


[email protected]

كان عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- من أكثر الناس تقوى وورع، ومن أكثر خلق الله عدلا وإنصافا، ومن أكثرهم زهدا فى الدنيا، وخصاله الكريمة تمتلأ بها الكتب والمجلدات التراثية.. ومع ذلك نقش على خاتمه عبارة (كفى بالموت واعظا يا عمر) لكى يقرأها على مدار اليوم وتذكره بالحقيقة الدامغة وهى أنه مهما طال به العمر راحل لا محالة، فلا أحد مخلد فى هذه الدنيا، والكل راحل راحل، فمن رزقه الله البصيرة عمل فى دنياه لآخرته، وسعى كل السعى لعمل الخير، فلا يقسو ولا يظلم ولا يهدر حق أحد، ولا يأكل حراما، ولا يسعى للوقيعة بين الناس، لأنه فى النهاية سيرحل ويترك خلفه كل هذه المظالم، وسيدفع وحده ثمن كل ما اقترف من ذنوب، وما ارتكب من سيئات "ولا يظلم ربك أحدا".
فى هذه الدنيا الفانية كثيرا ما تقسو القلوب، وتلهو النفوس، وتغفل العقول عن النهاية الحتمية لكل إنسان، فيغتر الإنسان بمنصبه أو نفوذه أو ماله أو قوته أو أهله فيظلم ويقسو ويهدر حقوق الآخرين حتى أقرب الناس إليه، ولا يردعه أحد، ولا يتعظ مما يحدث حوله يوميا من موت الأصحاب والأحباب، فيغويه الشيطان لارتكاب المزيد من الآثام والذنوب، ثم فجأة يتحول الى جثة هامدة، وما هى إلا ساعات قلائل أو دقائق حتى يدفن فى التراب ويغلق عليه قبره وينصرف عنه الجميع، ولا يستطيع أحد أن يغيثه أو ينفعه، حيث لا يبقى معه سوى عمله من خير أو شر، فمن عمل من الصالحات وجد ثمرة عمله، ومن فعل السيئات واقترف الذنوب وظلم وأكل أموال الناس بالباطل وجد كل ذلك فى انتظاره.
**
المؤسف أن هذا السياريو يتكرر أمامنا يوميا ولا نتعظ أو نعتبر، لم يعد الموت خير واعظ لنا، لم يعد يرد نفوسنا عن الظلم والقهر والوقيعة بين الناس وإهدار حقوقهم، لم يعد الموت ومفارقة هذه الحياة إلى دار الجزاء يعيد الى نفوسنا ضرورة مراجعة النفس، والتوقف عن الظلم، وتحقيق العدل بين الناس وخاصة هؤلاء الذين جعلهم الله تحت ولايتنا من زوجات وأبناء.
لم يعد الموت الذى نعايشه يوميا فى أحباب وأصحاب وأعزاء يذكرنا بضرورة مراجعة النفس وتصحيح المسار، والتوبة الصادقة عما اقترفنا من ذنوب وآثام، وهذا بالتأكيد من أعمال الشياطين التى تمكنت منا وسيطرت علينا لضعف إيماننا، وزينت لنا كل أعمال الشر وجعلتنا نغتر بما نفعل، ونصر على العناد، ونواصل ارتكاب المعاصى، ولا نعتبر ولا نتعظ.. ثم ندفع الثمن باهظا فى النهاية، ونندم يوم لا يفيد الندم.
شياطين الجن والإنس هى التى التى تقف بيننا وبين مراجعة النفس وسرعة تصحيح المسار، ولا يقوى على مواجهة تلك الشياطين إلا كل إنسان عاقل حازم يتذكر دائما أنه راحل وأنه سيحاسب على كل ما فعل، وأنه مهما كانت صحته ومهما أحاطت به ملذات ومتع الدنيا واسباب القوة فيها فالموت يأتي بغتة.. وقد سأل رجل من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أكيس الناس وأكرم الناس يا رسول الله؟
فقال: أكثرهم ذكرا للموت، وأشدهم استعدادا له، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة.. وصدق الله حيث يقول": كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون" والموت هو الحقيقة التى لا تحتاج الى أدلة وبراهين فهو قائم بيننا فى كل يوم، ولا يحتاج الى مقدمات، وأسبابه متعدده، وصوره متنوعة، والنتيجة واحدة عبر عنها الخالق سبحانه وتعالى بعبارة "ثم إلينا ترجعون".
لذلك فالعاقل من الناس هو الذى يعمل بوصية رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما- معروفة ومشهورة حيث يقول فيها: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".
**
تذكر الموت فى كل لحظة لا يعنى انصرافك عن الدنيا وعدم السعى فى الأرض، فقد خلق الله الإنسان وجعل في قرارة نفسه ومستقر فؤاده حبا للدنيا وللخلود، ولولا هذه الغريزة المسيطرة التى أودعها الله في نفس كل إنسان لما رأينا عملا ولا جهدا ولا كفاحا ولا سعيا حقيقيا لجمع الأموال وإنجاب الأولاد وتعمير الأرض والرغبة فى التملك فيها.. لكن تذكر الموت يوميا يجعل بداخلك ضميرا حيا فلا تظلم ولا تسرق ولا تأكل مال أحد ولا تسعى الى الحرام.
تذكر الموت كل لحظة يجعل عليك رقيبا داخليا ويوقظ ضميرك ويحيى بداخلك فضيلة مراجعة النفس، وإعطاء الحقوق لأصحابها، والحكم بين الناس بالعدل، والسعى للإصلاح بينهم.. فضلا عن السمعة الطيبة والذكرى العطرة، وهى أهم ما يخرج به الإنسان من هذه الدنيا.
تذكر الموت فى كل لحظة ليس "حالة اكتئاب" كما يتوهم البعض، وعندما يتذكر أحد من أفراد الأسرة الموت أو يذكر به من حوله لا ينبغى أن يكون الرد "أبعد الله الشر عنك وحفظك الله من كل مكروه وسوء" فالموت ليس شرا، وليس سوءا، ولكنه نهاية حياة أراد الله لها أن تنتهى فكل نفس ذائقة الموت، ولا يموت أحد ومتبقى من عمره الذى كتبه الله له ثانية واحدة، فلكل أجل كتاب.
كما نعيش حياتنا ونستمتع بما أحله الله لنا فيها ونفرح ونسعد ونلهو علينا أن نتذكر دائما الموت، فتذكر الموت يحجب عنا مصائب كثيرة، ويطهر سلوكياتنا من كل ما يغضب الله من سلوكيات وأعمال.
**
رحم الله أبو كريشة
منذ أيام ودعنا زميلا عزيزا هو الكاتب الصحفى محمد أبو كريشة مدير تحرير الجمهورية الأسبق.. نذكر له مودته وحسن خلقه وطيب سلوكه فى التعامل مع زملائه، ونسأل الله أن يعفو عنه ويغفر له.
كان أبو كريشة صحفيا مهنيا متمكنا وكاتبا صحفيا متميزا احتضن الكثير من شباب الصحفيين وأحسن توجيههم ومساعدتهم حتى وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح.
رحمه الله رحمة واسعة

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة