بالبنط العريض
العالم يتأهب الآن أكثر من أى وقت مضى لنهاية عصر، وبداية عصر جديد، فلم يعد خافيا أن الساحة الدولية مهيأة الآن لتشكيل ميزان قوى عالمى جديد، يلغى عصر القطبية الواحدة الذى منح الولايات المتحدة الهيمنة على العالم لعقود.. بعد أن أنشأت النظام الدولى مع حلفائها، عقب انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتى ودخول عصر العولمة، لكن قانون الطبيعة يقول إن دوام الحال من المحال، وفى العلوم السياسية الدول مثل الأشخاص قد تشيخ أو تضعف.. والولايات المتحدة الآن تواجه تحديات وتهديدات كبيرة سواء فى الداخل الأمريكى أو فى الخارج العالمى وذلك بأنواع و درجات مختلفة، وبأى حال من الأحوال لا نستطيع عزل هذه التهديدات والتحديات، عن توازن القوى القادم، وهو ما جعل السؤال المطروح على الساحة العالمية الآن: هل تصمد الولايات المتحدة الأمريكية فى وجه التغيير وتحتوى التهديدات أم تتراجع و تدخل بالفعل فى ميزان جديد للقوى يستتبعه تغيير فى شكل وآلية صنع القرار العالمي؟ وقد يطرح البعض السؤال بشكل صريح: هل ما زالت الولايات المتحدة القوة العظمى فى العالم؟
دخلنا العام 2024 بسلسلة من التوترات والحروب والصراعات المنتشرة فى مناطق متفرقة من العالم منحت بشكل أو بآخر مساحات لأطراف القوى الدولية لإثبات وجودها سريعا بالانخراط فيها بشكل مباشرأوغير مباشر، والولايات المتحدة لم تتردد لحظة فى اتخاذ أى خطوة من شأنها الحفاظ على النفوذ الأمريكى فى تلك النزاعات، وهى مقتنعة بأنها لا تتمتّع برفاهية الانتظار وعليها أن تتصرّف بشكل حاسم، من هنا يمكن فهم الدعم الأمريكى للحرب فى أوكرانيا وفى غزة من منظار دولي، وكذلك فهم العسكرة فى جنوب شرق آسيا من نفس المنظار، وبصورة أوسع، يمكن ربط العديد من التوترات فى أفريقيا وآسيا بسعى الغرب للحفاظ على موقع ريادى فى النظام العالمى الجديد، فموقف واشنطن فى جميع هذه الأحداث بات ضرورياً لرسم موقع الولايات المتحدة فى العصر الجديد، ومن ثم فالولايات المتحدة منخرطة دبلوماسيا وعسكريا فى ثلاث جبهات؛ الجبهة الأوكرانية والطفرة الجيو-استراتيجية والجغرافية والاقتصادية الصينية والتعامل مع التهديد الإيرانى وأذرعه فى الإقليم، فمع انتهاء عام 2023 واجهت الولايات المتحدة تحديا كبيرا فى الحرب الأوكرانية والتى يتفق الجميع أنها معركة بين الغرب الذى يسعى للحفاظ على تفوّقه فى النظام العالمى وبين روسيا التى تقاتل لكسر هذا التفوّق، صور الغرب الرئيس الروسى بوتين بأنه يحارب النظام العالمى الذى توجد فيه واشنطن كقوّة منفردة، أما روسيا فأعلنت أنها ذهبت للحرب لمنع حلف شمال الأطلسى من التمدّد إلى حدودها.. ومع المقاومة المتزايدة للجمهوريين لزيادة المساعدات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا تزداد مناعة روسيا، وقد تتزايد أكثر لوعاد دونالد ترامب للبيت الأبيض.
أما التحدى الإيراني، من خلال حماس وحزب الله والحوثيين، فيكتسب أهمية عالمية وإقليمية، ويبدو أنه صار لابد للرئيس الأمريكى بايدن أن يثبت للإيرانيين أن رهانهم على بقاء أمريكا صامتة، رهان خاسر، فأعلنت واشنطن عن عملية حارس الازدهار لمجابهة مهاجمة الحوثيين للسفن فى البحر الأحمر، لكن حتى فى هذا الاتجاه تردد أن بعض حلفاء واشنطن مترددون فى ربط أنفسهم بـ»حارث الازدهار«.. بايدن أعلن عن تقديم رد دولى قوى على الحوثيين، لأنه حال اختارت أمريكا الصمت فى هذا الجانب من العالم، فسيزداد الواقع سوءًا ولاشك أن توازنًا جديدًا للقوى فى الشرق الأوسط سيتشكل وستكون إيران حاضرة فيه، وستعقد دول النفط مزيدًا من الصفقات مع روسيا والصين وطهران، و قد يصل الأمر إلى طرح نسخة جديدة للشرق الأوسط منزوع الأمركة أو خاليًا من الوجود الأمريكي.
كما لا يمكننا عزل الحرب الدائرة فى غزة عن صراع توازن القوى العالمى فإسرائيل تجسّد المصالح الأمريكية فى غرب آسيا وبالتالى فإن أى ضربة تتلقّاها إسرائيل هى ضربة فى جوهرها للنفوذ الأمريكى فى المنطقة، وهذا ما يفسّر الاستنفار الغربى عموماً والأمريكى خصوصاً بعد السابع من يوليو الماضي، فالضربة التى وجهتها حماس لإسرائيل لم تكن فقط لدولة حليفة لواشنطن، بل استهدفت انعكاس الولايات المتحدة فى غرب آسيا، فإسرائيل فى الأخير »مصلحة« أمريكية بذاتها، وهو ما دفع بايدن للقول قبل ثلاثين عاما وهو لا يزال سيناتور فى مجلس الشيوخ إنه »فى حالم لم تكن هناك إسرائيل، لكان على الولايات المتحدة أن توجد إسرائيل لحماية مصالحها فى المنطقة«.. وفى رأيى أن انخراط الولايات المتحدة بكل هذا الدعم لإسرائيل أضرها ولم ينفعها نظرا لحجم الجرائم ضد الإنسانية التى ارتكبتها إسرائيل فى غزة والتى غيرت نظرة العالم بما فيه من حلفاء أمريكا لهذا الدعم.
عودة إلى السؤال: هل مازالت أمريكا القوة العظمى فى العالم؟ والإجابة: المعطيات تقول إن وجود واشنطن على رأس النظام العالمي، منذ انتهاء الحرب الباردة، لم يمنع الحروب بل زادها، والعالم الآن ذاهب نحو الحل بالوصول إلى نظام عالمى أكثر استقراراً بتوازن قوى جديد عبر إضعاف الولايات المتحدة وصعود قوى جديدة.