تعقيدات المشهد السياسي في الشرق الأوسط حاليا فاقت كل التوقعات، وباتت تنذر بعواقب لا قبل للبعض بها. ومنذ أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة تتسارع وتيرة التفاعلات وأصبحت متغيره على مدار الساعة خاصة بعد استخدام ايران لجماعة الحوثيين في اليمن لتهديد وضرب أحد أهم شرايين التجارة العالمية وهو ممر البحر الأحمر.
من أمثلة تعقيد المشهد ، ما نراه من تغاضى أمريكي ملحوظ في التعامل مع المخاطر التي تسببها جماعة الحوثيين على أمن البحر الأحمر، وهى تمتلك اسطول بحرى كامل قرب باب المندب، وبالرغم من تشكيل تحالف دولى بصورة عاجله للتصدى لهجمات الحوثيين المدعومين من ايران ، الا أن شركات النقل البحرى العالمية قررت للمرة الثانية تأجيل عبور قوافلها بسبب تصاعد الهجمات، التي تقف من ورائها ايران الساعية الى استخدام كل ما تملك من أدوات ضغط للاعتراف بدورها الإقليمي ومنحها الشرعية لتطوير هذا الدور بدعم امريكي.
الحوثيون أنفسهم على وشك ان يكون لهم مطالب خاصة في إحكام قبضتهم على اليمن دون شريك محلى بعد ما حققوه من ازعاج للتجارة العالمية، وهى مطالب ربما لا تتطابق مع الرؤية صناع القرار في طهران التي سارعت بارسال بحريتها للتمركز قرب باب المندب ليزيد من عبثية المشهد وهل هي قادمة لدعم تلك الجماعة ام لتحجيم طموحاتهم.
غرابة المشهد تكمن في تضارب المواقف والعلاقات بين اطراف الأزمة وكأنها لوحة فسيفساء ، وعلى رأس تلك الأطراف الولايات المتحدة الأمريكية التي من المفترض انها تسيطر على الكثير من خيوط اللعبة السياسية في المنطقة، وعلى الرغم من ذلك يمكننا ان نرصد حجم التباين في المواقف بين واشنطن وتل ابيب في اعقاب فشل الأخيرة في تحقيق اى تقدم ملموس على الأرض في غزة ناهيك عن عدم التزامها بتقليل حجم الخسائر الفادحة في سكان غزة، وهذا التباين الذى بدأ قبل أسبوعين تجلى أخيرا في سحب حاملة الطائرات الأكبر والاحدث جيرالد فورد من امام السواحل الفلسطينية وعودتها الى قواعدها في الولايات المتحدة، وهذه الحالمة كانت قد تم استدعائها على عجل لإنقاذ إسرائيل والتقديم كل الدعم لها في اعقاب هجوم السابع من أكتوبر.
وللحق فأن أصل هذا المشهد العبثى ما يحصل في غزة ، فإن كان الدمار هو الهدف، فالحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة حققت نجاحاً مدوياً.
وبحسب وزارة الصحة التي تديرها "حماس" في غزة فعدد القتلى تجاوز 22 الف قتيل ، فضلا عن تحول جزء كبير من قطاع غزة إلى أنقاض. فإسرائيل دخلت الحرب وامامها قائمة اهداف أولها تدمير "حماس"، واعتقال قادتها أو قتلهم، وتحطيم قدرة الحركة العسكرية، وإنهاء سيطرتها على غزة. وإطلاق سراح الرهائن الذين اختطفوا وما زالوا على قيد الحياة، واستعادة جثث أولئك الذين قتلوا. كل هذا في ظل الحفاظ على الدعم الدولي، وبخاصة من الولايات المتحدة، وحماية المكاسب الدبلوماسية التي حققتها مع الدول العربية في السنوات الأخيرة. وبطريقة موازية، هي تسعى إلى إعادة بناء ثقة الشعب في المؤسسات الأمنية بعد فقدان تلك الثقة بسبب الهجمات… والحقيقة ان ما حدث ونحن نقترب من اليوم 100 للحرب هو عكس تماما لكل تلك القائمة، لدرجة اصبح الجميع يشكك في إسرائيل وقياداتها السياسية والعسكرية قد فقدت البوصلة لتحقيق اى من أهدافها المعلنة او حتى غير المعلنة، وباتت تعيش أزمة البحث عن مبرر لإنقاذ ماتبقى من كرامتها العسكرية.
وفي الوقت نفسه لم يعد الإسرائيليون يثقون بمؤسساتهم الأمنية. ولأسباب وجيهة، يلقي عدد كبير من الإسرائيليين اللوم على إيران في ما يتعلق بحجم ترسانة "حماس" الكبير والأساليب المبتكرة التي يستعملها مقاتلوها. وهم يخشون أن يهاجم "حزب الله"، إسرائيل أيضاً، مستخدماً ترسانته الصاروخية الأكبر حجماً ومقاتليه الأكثر مهارة لشن هجوم أكثر تدميراً على شمال إسرائيل. وهذا أيضا يزيد من درجة قتامة المشهد، باعتبار ان ارتفع حجم الإحباط يتسبب في حماقات ربما يرتكبها صناع القرار الساسي والعسكرى في إسرائيل ويكون من الاستحالة التنبؤ بالخطوة التالية.
وبعيداً من الهدف المباشر المتمثل في القضاء على "حماس"، هناك مهمة إنشاء بديل مستقر وطويل الأمد لحكمها في غزة. لا بد من أن تحكم القطاع جهة ما تمنع "حماس" من العودة للسلطة، وفي الحقيقة، لا مصلحة لإسرائيل في أن تستمر في لعب دور المحتل على المدى الطويل. ولكن لم يتحقق أي تقدم يذكر في هذه المسألة، بل إن الوضع بالنسبة إلى إسرائيل أصبح أسوأ مما كان عليه في السابع من أكتوبر، ولا توجد قوة خارجية ترغب في العمل كقوة شرطة إسرائيلية في غزة.
في الحقيقة ، جميع أهداف إسرائيل صعبة التحقيق، وبعضها يتعارض مع البعض الآخر. والحملة العسكرية المستمرة، التي ستكون ضرورية من أجل إضعاف "حماس" بصورة كبيرة والمساعدة في إعادة بناء ثقة الشعب في الجيش، ستستغرق أشهراً حتى تنجح، وحتى لو حدث ذلك، فمن المستبعد قتل كل قادة "حماس" وتدمير جميع الأنفاق. ومن دون التخفيف من حدة العمليات العسكرية، سيكون من الصعب إطلاق سراح الرهائن والحفاظ على الدعم الأميركي. ولن تساعد الحملة المكثفة في إيجاد حل للمشكلة الطويلة الأمد المتمثلة في تحديد الجهة التي ستحكم غزة، فعندما ينقشع الغبار وتستقر الأمور، ستحتاج إسرائيل إلى شريك فلسطيني لإدارة القطاع، وسوف تؤدي العمليات العسكرية المدمرة إلى إضعاف صدقيتها بين السكان هناك.
عدد كبير من القادة الإسرائيليين يشعرون بالقلق من أن الدعم الأميركي قد لا يستمر إلى الأبد، وخطاب الرئيس الأمريكي جو بايدن ، اختلف كثيرا منذ بدء الحرب حيث يشهد حزبه الذي يدخل الآن عام الانتخابات انقساماً متزايداً في شأن سلوك إسرائيل في الحرب، وينتقد الرئيس نفسه الآن "القصف العشوائي" في غزة، ويضغط المسؤولون في إدارته من أجل إنهاء العمليات العسكرية الكبرى حتى أن الأمر انتهى بأوامر مباشرة بعودة اكبر حاملة طائرات أمريكية إلى العودة الى قاعدتها الامريكية .
ويجب على إسرائيل أن تتقبل حقيقة أنها ستواجه انتقادات أياً كان المسار الذي تسلكه، وسيتعين عليك على قادتها أن يتخذوا خيارات صعبة في شأن الأهداف التي تستحق الأولوية وتلك التي ينبغي تنحيتها.على ذلك سيكون امام إسرائيل خيارات محدودة اذا ارادت الخروج من مأزقها السياسي والاقتصادي والعسكري.
ومن المرجح ألا تبلغ إسرائيل النتائج المرجوة إذ أن الأهداف التي وضعتها يصعب تحقيقها منفصلة، ويزداد الأمر صعوبة عند محاولة تحقيقها كلها في آن معاً. لذلك يتعين عليها أن تتنازل عن العمليات العسكرية المكثفة للقضاء على كبار قادة "حماس" باستخدام الطائرات من دون طيار ، واللجوء إلى وسائل أخرى، اذا كانت ترغب في الحفاظ على ما تبقى من دعم امريكي وغربي. أيضا تجنب حرب غير مبررة مع "حزب الله". وربما الأهم من ذلك هو أنه يتعين على إسرائيل الاستجابة للمبادرة المصرية باعتبارها الباب الوحيد الذى يحفظ للجميع الحد الأدنى من الخروج الامن والبدء في مباحثات السلام جديدة.. هذا اذا أرادوا الخروج من دائرة الخيارات السيئة التي وقع فيها الجميع حتى من قبل يوم السابع من أكتوبر.