رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

استقبلنا عامًا جديدًا منذ أيام وودعنا عامًا آخر بحلوه ومره..ويحدونا الأمل أن يعوضنا الله خيرًا مما مضى من عمرنا، وأن يكون عامًا فيه يُغاث الناس، وتغسل فيه الهموم ونودع الأحزان التى تلازمنا فى كل لحظة تسفك فيها دماء أبرياء فى فلسطين التى لا يزال المجتمع الدولى يتفرج على ما تقترفه آلة القتل الإسرائيلية من جرائم إبادة يشاهدها الناس على الشاشات وكأنها «خيال علمي» فيحزن من يحزن ويتألم من يتألم.. وتمضى الأحداث حتى اعتدنا عليها وكلما تفاقمت المأساة فى غزة من حصار وتجويع وقتل وترويع تفقد الإنسانية براءتها وضميرها أمام عجزها عن وقف حمامات الدم وتتحول شيئًا فشيئًا إلى عالم متبلد المشاعر ينتظر معجزة تعيد له الشعور بالأمن وشيئًا مما فقد من إنسانيته.. وندعو الله أن يكون عامنا هذا أحسن مما قبله، وأن ينعم الله على البشرية بلطف ورحمة من عنده توقف الحروب وتمنع الدمار وتردع الطغاة الجبابرة سفاكى الدماء الذين لا يبالون بقتل الأبرياء وتحويل حياتهم إلى جحيم لا يطاق.
عامٌ مضى وعامٌ أتى وبينهما شريط ذكريات يتدفق يحكى فصولا أو مشاهد وذكريات من العمر الذى يتسارع يقطع محطة تلو الأخرى وصولاً إلى نهاية ندعو الله أن تكون حسنة ترضيه وتجعلنا فى رحمته ورضوانه.
لكن المدهش حقًا ورغم انقضاء عشرات السنين فلا تزال ذكريات الطفولة حيةً فى ذاكرتى لا أكاد أنسى تفاصيلها منذ التحقت بكتَّاب القرية فى بلدتى «بيشة قايد» بمحافظة الشرقية، لأتعلم أول حروف الأبجدية على «لوح» نكتب عليه بأقلام بوص ومدواة حبر تأهلت بفضلهما لحفظ سور وأجزاء عديدة من القرآن الكريم أنارت عقلى وفتحت قلبى لنور العلم..ومن «الكُتّاب» انتقلت للمدرسة الابتدائية التى تعهدنى فيها بالرعاية والتعليم معلمٌ فاضلٌ وأبٌ كريمٌ من خيرة التربويين فى زماننا وهو المرحوم الأستاذ محمد العدلى الذى كان يدرِّس لنا كل المواد الدراسية وقتها.وعلى يديه عرفتُ معنى التربية الحقيقية التى تحرص أولاً على غرس القيم الأخلاقية الرفيعة فى النفوس قبل المحتوى الدراسى وهذا هو أهم الفوارق بين تعليم زمان وتعليم اليوم الذى لا يجد المعلمون فيه وقتًا لغرس القيم والأخلاق فى نفوس طلابهم لكثرة مطالب الحياة وصعوباتها..كما كنا نتعلم فى المدرسة فنون الموسيقى والتربية الرياضية رغم ضآلة الفناء أو «الحوش» ..لكنها كانت أساسيات لا يجوز التفريط فيها أو التهوين من شأنها إيمانًا بدورها فى تقوية البدن وتهذيب الوجدان.
وبعد الابتدائية التحقت بالمرحلة الإعدادية بمدرسة أحمد عرابى وفيها حصلت على أعلى الدرجات التى أهلتنى للقبول بالمدرسة الثانوية العسكرية بالزقازيق وكان مديرها «جودة بك» آيةً فى الحسم والانضباط والنظام ودقة المواعيد؛ فلم يتخلف يومًا عن الحضور قبل طابور الصباح، ولم يكن يقبل بتأخر المدرسين أو غيابهم عن حصصهم الدراسية..خلافًا لما نراه اليوم فى كثير من المدارس التى يغيب عنها أغلب طلاب الشهادات الإعدادية والثانوية من أول يوم دراسي، ولا يهتم أغلب المدرسين إلا بالدروس الخصوصية فى السناتر والأماكن الخارجية.
وربما كان الفارق بين التعليم فى زماننا وتعليم اليوم أن المدرسة أيامنا كانت ملاذاً نحبه ونسعى إليه لأننا ببساطة كنا نجد فيه أنفسنا ونمارس فيه هواياتنا وأنشطتنا الرياضية والموسيقية التى كانت «الوزارة» تحرص على الاهتمام بها أشد الحرص ، ولا تتهاون مع أى تقصير فى أدائها بأفضل صورة ممكنة ..وكان المدرسون يكتفون بما يتقاضونه من رواتب كانت قوتها الشرائية أعلى بكثير من نظيرتها اليوم، ولم تكن ظاهرة الدروس الخصوصية توحشت بهذه الدرجة التى نعيشها فى أيامنا هذه؛ ومن ثم كانوا قدوة بحق، يبذلون أقصى جهدهم لاستيعاب واحتواء تلاميذهم وتوصيل المعلومة لهم حتى يفهموها وتثبت فى عقولهم وذاكرتهم ..ومن ثم كان الغياب أو الانقطاع عن الدراسة أيامها أمرًا نادراً وربما مستحيلاً فقد كانت المدرسة مكانًا محبباً إلى قلوب طلابها، ولم نكن نعرف «مصطلح» الدروس الخصوصية ولا وردت فى قاموسنا حينها..وكان البديل «مجموعات تقوية» مجانية لضعاف المستوى فقط..وكانت مدارس ذلك الزمان عامرة بمعامل كيمياء وأحياء ومسارح وحجرات اقتصاد منزلى تتولى تصنيع الزبادى وتشكيل رسومات وتقديم عروض فنية وأنشطة وترعى الموهوبين والمبدعين من الطلاب..وهو ما يفسر لنا لماذا تخرجت فيها قمم «عالمية» مثل أحمد زويل ومجدى يعقوب وفاروق الباز ومصطفى مشرفة وغيرهم من نجوم زاهرة كانت عماد القوى الناعمة لمصر، و خير سفير لها فى الخارج..وبفضلهم كنا روادًا فى الفن والأدب والثقافة، وقِبلة للعلم.
ومضى قطار العمر حتى حصلت على «الثانوية العامة» بمجموع كبير رشحنى لكلية الآداب عبر مكتب التنسيق..لكننى فضلت دراسة الصحافة والإعلام، وبالفعل تقدمت بأوراقى لمعهد الإعلام بجامعة القاهرة الذى جرى إنشاؤه عام 1971، بديلاً لقسم الصحافة والنشر بكلية آداب القاهرة.. ولم يكن هذا المعهد «الوليد» يكتفى بالمجموع العالى بل كان يشترط اجتياز اختبارات شفوية وتحريرية يعقدها أساتذة وإعلاميون وصحفيون وشخصيات عامة لها وزنها، أذكر منهم مثلاً أنيس منصور وكمال عبدالرءوف وجلال الدين الحمامصي، ود. جمال العطيفي ود.ابراهيم إمام ود.عزالدين فودة ود. حامد ربيع ..وبالفعل اجتزت كل هذه الاختبارات مع زملاء آخرين، أذكر منهم عماد الدين أديب وعمرو عبدالسميع ود.ليلى عبد المجيد ود.نجوى كامل، و د. مرعى زايد، وعبدالله السناوى وثناء الكراس ورغم أننى تخرجت عام 1976 لكننى ما زلت أذكر أبناء دفعتى كلهم الذين كان عددهم 55 طالبًا فقط، وقد اشتغل معظمهم بالصحافة والعلاقات العامة والسلك الدبلوماسى وبعضهم سفراء مرموقون.


تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة