كعادة الفيسبوك يذكرني ببعض الذكريات التي مرت بي أو مقالاتي التي نشرت في جريدة المساء الحبيبة .. هذه المرة ذكرني بمقال كتبته عن الناشطة الثقافية "أميرة مجاهد" التي تهتم دائما بالمنتج الثقافي الجيد لذا تبذر وتزرع وتشقى حتى تحصد منتجها "السوبر" ولا تقبل بأقل من هذا المستوى.
لكنها وكالعادة في بلادنا تحارب من كل متكاسل أو غير مبدع.. ذكرني الفيسبوك بتلك الحروب التي تعرضت لها تلك الناشطة والتي سبق وكتبت عنها بالتفصيل في عدة مقالات لأنني من متابعين عملها عشقا في الأسكندرية وشعبها وتقديرا لكل ناجح. ووجدتني أتعجب! فالحرب دائما على كل قيمة ترغب في إعلاء موقف أو مبدأ ومن هنا تبدأ الحروب على كل مجتهد مثقف فاهم لعمله وقيمته ودوره.
كنت أتعجب ولازلت رغم وضوح الرؤية وما يحدث في وسطنا الثقافي والفني يحدث في كل المجالات التي من شأنها إعلاء دور مصر.
تشتعل تلك الحروب ممن عدموا القدرة على النجاح وجاءت مواقع التواصل لتشعل الأزمة وتجعل الحروب على الملأ.. وقد أظهر هذا أسوأ ما فينا كشعب.. لم يعد يهمه شكله ولا حتى جوهره فجعلوا من النكرة معرفة كاذبة وصدروا أبشع الصور عنا وصفوا حساباتهم مستغلين سهولة النشر. أعود للناشطة الثقافية أميرة مجاهد ومقالي عما قدمته وقتها.. مبادرة جميلة و غير مسبوقة (الأسكندرية تقرأ) وقد قامت إذاعة تونس بالمداخلة معها وكان التعاون المثمر بين الأسكندرية وتونس وسوريا وأصبح العنوان تجربة فريدة خارج الصندوق .. كانت تسعى أميرة وتعمل على تنشيط ذاكرة العالم العربي والمجتمع المصري بدور مصر الريادي.. وأهمية الكتاب العربي.
أعجبتني المبادرة .. أهديتها اسماء المصادر من الشعراء والكتاب الأشقاء العرب الذين أسعدهم التعاون معها
مثل الشاعر الكبير والطبيب السوري الدكتور نزار بريك هنيدي.. والشاعرة فاطمة الشريف.. والشاعر عبد الكريم الخالقي والشاعر الأردني جميل أبو صبيح وغيرهم .. بالإضافة لكاتبنا المسرحي والسيناريست الراحل محفوظ عبد الرحمن وزوجته سميرة عبد العزيز الفنانة القديرة جميعهم أسعدهم التعاون مع أميرة مجاهد تلك التي تعشق بلدها وثقافتنا العربية.. ورغم هذا النجاح ورغم دعم وزير الثقافة نفسه وقتها إلا أن الحرب بدأت ولم تتوقف إلا وأميرة خارج أوبرا الأسكندرية التي كانت تقدم صالونه حينها .. تلك التي رأيت بنفسي كما شاهد ذلك اهل الأسكندرية جميعا كيف كان المسرح يزدحم حتى الوقوف على جنبات المسرح للمشاركة في الفاعليات الناجحة.
كل هذا تذكرته مع مقالي وتذكرت سيرة عطرة لباحثة جعلت موضوع رسالتها لنيل درجة الماجستير هو ( دور صالون الأوبرا الثقافي في نشر الوعي ) .. الحرب التي ذكرتها أبدا لم تكن ضد أميرة مجاهد بشخصها لأنها بحق محبوبة من جميع الأدباء والفنانيين ليس في الأسكندرية وحدها بل في مصر جميعها.
إنما الحرب ضد عملها السوبر المتقن.. ضد نجاحها.. فحراك أميرة يعري المتخاذل والمتكاسل وفاقد الثقافة.. تركت أميرة أوبرا الأسكندرية وسط حزن المثقف والمبدع السكندري ودهشته.
و في حوار لي مع الكاتب الصحفي ووزير الثقافة الأسبق حلمي النمنم قلت له :
أنه لن يلتفت لأميرة ويمد يد العون لها إلا مثقف حقيقي.. فاهم لأهمية الدور الثقافي كقوة ناعمة لمصر في تلك المرحلة الحرجة التي نعيشها.. بل قلت له
لو كنت في قيادات وزارة الثقافة لأسعدني وجودها هى وعشرات غيرها تركوا العمل يائسا ولدفعت بهم لإنتشال الثقافة العربية من حضيض السقوط.
ولأنني لا أحب الحديث عمن تركوا مناصبهم من وزراء يخافون اتخاذ القرار ويديرون المنصب بيد مرتعشة.. نلتزم بعض الصمت أحتراما فلست ممن يرقصن على جثث من رحلوا.
لكن يبدو أن هناك بارقة أمل ويبدو أن بعض القيادات اليقظة ممن تولت بدأت تسعى نحو النور مرة أخرى ونحو القيمة.. فهناك نهضة كبيرة بتولي عدد كبير من المهتمين واليقظين في مناصب لها علاقة بالفن والثقافة فكان أختيار الوزيرة الفنانة دكتورة نڤين الكيلاني للدكتورة غادة جبارة التي ترأست أكاديمية الفنون.. ودكتورة رانيا يحيى عميدة المعهد العالي للنقد الفني.
ودكتور خالد داغر رئيسا لدار الأوبرا المصرية وبدوره أختار الشاعر المتفرد شريف أبو العلا الذي عمل طويلا في إدارة التسويق بالأوبرا وهو الأن يعتلي دوره الأهم مديرا لأوبرا الأسكندرية ودمنهور.. كل هؤلاء يستحقون مناصبهم عن جدارة .. فهل ننتظر قفزة ثقافية عريضة وواسعة تعيدنا للمقدمة وتكف أطماع الذين ينتظرون سقوط مصر ثقافيا وفنيا.. خاصة وتلك الأسماء التي ذكرتها متحققة بالفعل قبل منصبها وبالتالي سيكونون ممن يسعدهم النجاح والقفزات العالية علو مصر.. أتمنى.
عندما ذكرني الفيسبوك بمقالي عن أميرة التي قاومت و تقاوم الإنهزام فكلما مزقوا لها راية رفعت غيرها ونجحت.. تمنيت لو مدت الآيادي من تلك القيادات لهذه العقول والقلوب والهمم التي تمثلها شابة مثل أميرة في الأسكندرية وغيرها في كل مكان ومحافظة.. ليصبح لدينا عمل جماعي ويصبح التقدم منهج حياة لا توقفه صغائر الأمور والمطامع الشخصية.
وهناك قصة حدثت بالفعل أرجو ألا تهملوا المغزى منها.
أقيم مهرجان شعر دولي كبير ذات عام.. كان يشرف عليه أحد الشعراء الكبار.. لكنه رغب ألا يكون هناك أكبر منه فقدم جميع الشعراء ما بين ضعيف ومقبول .. حتى قال أحد شعراء العرب وقتها :
والله بعد الذي سمعناه اليوم.. لقد مات الشعر في مصر!!
هل تتخيلوا ليظل أحدهم هو الكبير بلا منازع.. يقتل سمعة بلده في مجال من مجالات الإبداع الأكثر شهرة لوطنه.
لهذه القصة مغزى وعندي ما يثبت صحتها ولكن من باب الستر نصمت.
ولكم ولكل سوبر مثقف ألف تحية.