معًا للمستقبل
ما يحدث في غزة يجب ألا يمر بلا وقفة حاسمة، فثمة جرائم حرب إسرائيلية ترتكب على مرأى ومسمع من العالم كله، ذلك أن رد الفعل الإسرائيلي تجاوز كما قالت مصر دائرة الدفاع عن النفس؛ إلى الانتقام الأعمى من المدنيين الأبرياء والإبادة الجماعية بحقهم عبر قطع منظم ومقصود لإمدادات المياه والغذاء والوقوف والاستهداف الغاشم لأحياء وعائلات اختفت بكاملها من سجلات الحياة.
ما يحدث في غزة تحديدًا، وفي أرض فلسطين المحتلة كلها يكتب شهادة وفاة المنظومة الدولية برمتها، ويكشف تواطؤ المصالح الإمبريالية الغربية التي تجعل الدول والشعوب المستضعفة مجرد بيادق على رقعة شطرنج يجرى تحريكها وفقًا لمصالح الدول الكبرى؛ فإذا تعلق الأمر بانتهاك الحق في الحياة للعرب والمسلمين فلا تحدثنى عن حقوق الإنسان وحرياته، بينما إذا انتهكت حقوق القطط في الغرب تألم ضميره وانتفض دفاعًا عن حقوق الحيوان!!.. الغرب لا يعترف إلا بحقوق شعوبه ومصالح دوله، مصالح الدول الكبرى وربيبتها إسرائيل تلك الدولة الوظيفية الاستعمارية العنصرية التي جرت إقامتها على أنقاض الحق الفلسطيني إبان الانتداب البريطاني على أرض فلسطين في القرن الماضى هي التي تتحرك لأجلها حاملات الطائرات والبوارج البحرية وتفتح لأجلها مخازن السلاح الغربية.. ومن ثم فلا عجب أن يتوافد قادة الغرب وأولهم الرئيس الأمريكي بايدن على تل أبيب معلنين الدعم الكامل والمساندة التامة بحسبانها ركيزة وحارسة المشروع الغربي في المنطقة؛ وهو ما وفر لها غطاء سياسيًا وعسكريًا ومنحها ضوءًا أخضر لارتكاب مزيد من المجازر الوحشية وجرائم الحرب الجماعية في حق أهالى غزة دون رقيب ولا حسيب في ظل موقف عربي ضعيف متقاعس، دون أن يسأل الغرب ضميره أين حقوق الشعب الفلسطينيى.. أين القانون الإنساني الدولى.. وأين اتفاقيات جنيف الأربعة.. وإلى متى يقف مجلس الأمن الدولى وهو الجهة الدولية المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين مما يجرى في غزة من جرائم حرب وإبادة جماعية باعتراف الأمم المتحدة نفسها..؟!
السكوت الدولى شجع إسرائيل ويمينها المتطرف للمضى قدمًا في تدمير غزة وإبادة شعبها..ومن ثم فلم يكن مستغربًا أن يخرج وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو بتصريحات شوفينية يقول فيها إن إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة «أحد الخيارات» لتحقيق هدف القضاء على حركة «حماس»؛ بل هى نتاج طبيعي لعقلية التطرف التي تحكم تل أبيب والتي وصلت لحد الجنون؛ وأعرب إلياهو أيضا عن اعتراضه على السماح بدخول أي مساعدات إنسانية إلى غزة، وقال: «نحن لن نسلم المساعدات الإنسانية للنازيين»، معتبرا أنه «لا يوجد شيء اسمه مدنيون غير متورطين في غزة».. فإذا لم تكن تلك هي العنصرية فماذا نسميها..؟!
إلياهو الذي ينتمي إلى حزب «عوتسما يهوديت» اليميني المتطرف بزعامة إيتامار بن غفير ليس أول ولا آخر من صرح بهذه الأفكار الصادمة للبعض؛ فقد سبقه إليها سياسيون متطرفون في إسرائيل دعوا إلى استخدام السلاح النووي ضد قطاع غزة الفقير والمحاصر، مع مرور أكثر من شهر على عملية طوفان الأقصى؛ حيث دعا عضو الكنيست السابق، موشيه فيغلين، على حسابه بمنصة «إكس» ضمنا إلى استخدام السلاح النووي ضد قطاع غزة..وفي تغريدته، نشر صورة لمدينة هيروشيما اليابانية بعدما دمرتها القنبلة النووية الأمريكية عام 1945، إبان الحرب العالمية الثانية.. وكتب باقتضاب: «كم عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في معركة هيروشيما؟»وهو سؤال لا تخفى دلالته ومغزاه..!!
الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما دخل على خط الأزمة بتصريحات مغايرة للخطاب الأمريكي الرسمي، حيث قال عن الحرب في غزة «إن الجميع متواطئ بها، ولا يوجد أحد يداه نظيفتان مما يحدث».
الرجل أكد في مقابلة مع برنامج «Pod Save America»: «إذا كنت تريد حل المشكلة، عليك أن تتقبل الحقيقة كاملة. علينا أن نعترف بأن لا أحد يداه نظيفتان مما يحدث، وأننا جميعاً متواطئون إلى حد ما».
أوباما وضع يده على جذور المشكلة وهى ليست جديدة ولا وليدة اللحظة؛ لكن اللافت أنها تأتي على لسان رئيس سابق لأمريكا يتوافق مع خطاب أمين عام الأمم المتحدة حيث أكد أن ما يحدث الآن سببه عقود من الفشل في تحقيق سلام دائم لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، سلام يرتكز على أمن حقيقي لإسرائيل، والاعتراف بحقها في الوجود، ويقوم كذلك على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة قابلة للحياة للفلسطينيين مع ضمان حقهم في تقرير مصيرهم.
وتعزيزًا لهذه الرؤية فقد قالت سيلفيا يعقوب، مسئولة الشئون الخارجية بمكتب شئون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية، إن الرئيس جو بايدن »متواطئ فى الإبادة الجماعية«، تجاه الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة.
هذا الاتهام، نشرته سيلفيا من خلال »برقية معارضة«، لسياسة البيت الأبيض تجاه إسرائيل، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يشير إلى حالة القلق التى تسببت فيها الحرب بين إسرائيل وحماس، داخل الحكومة الأمريكية، خاصة وزارة الخارجية، ممثلة في وزيرها أنتوني بلينكن، الذي يجاهر بدعم العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين علنًا، ردًّا على عملية الـ7 من أكتوبر الماضي.
ولا ندرى إن كان ما يجرى من جرائم إبادة نار غضب أعمت العقل الإسرائيلي أم نار كراهية وعنصرية لابدة في أعماق النفس الإسرئيلية التي أمنت العقاب.
الوضع في غزة خطير جدًا فثمة استماتة إسرائيلية على تنفيذ مخطط إبادة وقتل جماعي وتدمير للبشر والحجر وكل ما تطاله آلة الحرب الإسرائيلية الغاشمة التي لا تأبه بشيء، ولا ترتدع بشيء وتتصرف تصرفات طائشة مجنونة تصرف الذي أمن العقاب فأساء الأدب؛ وفي المقابل فإن الوضع الداخلى في إسرائيل ليس في أفضل حالاته وهو أنسب الأوقات لتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه التاريخية وفق مرجعيات دولية وعربية لا يختلف عليها اثنان، أما ارتباك الجبهة الداخلية لإسرائيل فهو ليس كلامي بل شهادة موثقة لواحدٍ من أهلها؛ وهو الكاتب الإسرائيلي آري شبيت الذي سطرها في مقالة بصحيفة «هآرتس» العبرية عنوانها: «إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة»، يقول فيها: «يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال يبدو أننا اجتزنا نقطة اللا عودة، ويمكن أنه لم يعد بإمكان «اسرائيل» إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام، ويبدو أنه لم يعد بالإمكان إعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم الناس في هذه الدولة.
أضاف.. «إذا كان الوضع كذلك فإنه لا طعم للعيش في هذه البلاد، وليس هناك طعم للكتابة في «هآرتس»، ولا طعم لقراءة «هآرتس»، ويجب فعل ما اقترحه (روغل ألفر) قبل عامين، وهو مغادرة البلاد.. إذا كانت «الإسرائيلية» واليهودية ليستا عاملاً حيوياً في الهوية، وإذا كان هناك جواز سفر أجنبي لدى كل مواطن «إسرائيلي»، ليس فقط بالمعنى التقني، بل بالمعنى النفسي أيضاً، فقد انتهى الأمر . يجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس.. من هناك، من بلاد القومية المتطرفة الألمانية الجديدة، أو بلاد القومية المتطرفة الأمريكية الجديدة، يجب النظر بهدوء ومشاهدة «دولة إسرائيل» وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
يجب أن نخطو ثلاث خطوات إلى الوراء، لنشاهد الدولة اليهودية الديمقراطية وهي تغرق.. يمكن أن تكون المسألة لم توضع بعد.. ويمكن أننا لم نجتز نقطة اللا عودة بعد.. ويمكن أنه ما زال بالإمكان إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وإعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم البلاد .
ويضع الكاتب الإسرائيلي يده على حقيقة مهمة قائلاً: أضع إصبعي في عين نتنياهو وليبرمان والنازيين الجدد، لأوقظهم من هذيانهم الصهيوني؛ إن ترامب وكوشنير وبايدن وباراك أوباما وهيلاري كلينتون ليسوا هم الذين سينهون الاحتلال، وليست الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هما اللذين سيوقفان الاستيطان.
والقوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ «إسرائيل» من نفسها، هم «الإسرائيليون» أنفسهم، وذلك بابتداع لغة سياسية جديدة، تعترف بالواقع، وبأن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض، وأحث على البحث عن الطريق الثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت.
ثم يصل شبيت إلى القول إن «الإسرائيليين» منذ أن جاءوا إلى فلسطين، يدركون أنهم حصيلة كذبة ابتدعتها الحركة الصهيونية، استخدمت خلالها كل المكر في الشخصية اليهودية عبر التاريخ.
ومن خلال استغلال ما سمي المحرقة على يد هتلر »الهولوكوست« وتضخيمها، استطاعت الحركة - والكلام للكاتب الإسرائيلي شبيت - أن تقنع العالم بأن فلسطين هي «أرض الميعاد»، وأن الهيكل المزعوم موجود تحت المسجد الأقصى، وهكذا تحول الذئب إلى حمَل يرضع من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين والأوروبيين، حتى بات وحشاً نووياً... وهذا هو بيت القصيد «الوحش النووي» الذي لا يؤمن جانبه، والذي ربما يدفع اليأس من تحقيق انتصار حاسم على المقاومة قادة إسرائيل وبينهم متطرفون أمثال إلياهو إلى استخدام هذا السلاح لإبادة أهلنا في غزة وتصفية القضية ما دامت أمريكا وذيولها تبارك الانتقام الإسرائيلي من المدنيين العزل والأبرياء دون أن ترى مبررًا لهدنة دائمة حتى لا تلتقط المقاومة أنفاسها وتستعيد قوتها في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الغاشمة.