معًا للمستقبل
أعظم ما نستلهمه من ذكريات نصر أكتوبر 73 هو ما كان عليه المصريون بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم وقتها من توحد خلف راية الوطن، لدرجة أن تلك الأيام المجيدة، أيام الحرب لم تسجل أقسام الشرطة حالة سرقة واحدة، رغم ضيق الأحوال بسبب نفقات الحرب وتكلفتها الباهظة.. ما أحوجنا في هذه الأيام التي تشهد توترات في كل الأنحاء المحيطة بمصر؛ من الشمال الشرقي حيث المعارك الضارية على أرض فلسطين، ومن الغرب حيث عدم الاستقرار في الشقيقة ليبيا، وفي الجنوب حيث الانقسام والصراعات بين الأشقاء في السودان.
ويبدو طبيعيًا في أجواء ملتهبة كهذه أن تكون الأولوية هي الحرص على الاستقرار في مصر؛ فالإقليم لا يحتمل أي انقسام أو استقطاب، بل ينبغي التدقيق في كل ما نسمعه ونتلقاه عبر وسائل الميديا المختلفة، حتى لا نعطى الفرصة للمتربصين بمصر من كل جانب.
وحسنًا فعلت الحكومة حين خرج رئيسها د. مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، بتصريحات مطمئنة للشعب بأنه جرى التوافق على خفض 7 سلع أساسية بنسب تتراوح بين 15 و25٪ وهى: «السكر - الزيت- العدس- الفول- الألبان والجبن- المكرونة»؛ وذلك بداية من السبت المقبل؛ مؤكدًا أن جزءًا من مشكلة ارتفاع الأسعار للسلع هو ندرة العرض، وأن أهم قضية للحكومة خلال الفترة الماضية كانت هى مواجهة قضية التضخم وارتفاع أسعار السلع الغذائية.
شهادة نجاح جديدة من ذهب
لا ينكر أحد أن مصر حققت نجاحاً غير مسبوق في القضاء على فيروس c ذلك الفيروس الذي طالما التهم أكباد ملايين المصريين بلا رحمة على مدى عقود وعقود..هذا النجاح شعر به ملايين المرضى الذين تحسنت أحوالهم الصحية على أرض الواقع وهو ما جعل منظمة الصحة العالمية تتقدم بالتهنئة إلى مصر لكونها أول بلد يبلغ »المستوى الذهبي« على مسار القضاء على التهاب الكبد C وفقًا للمعايير الدولية.
أما حيثيات هذا النجاح من وجهة نظر المنظمة الدولية؛ فيرجع إلى أن مصر نجحت في تشخيص شخصت 87٪ من المتعايشين مع الفيروس وقدَّمت العلاج الشافى لنحو 93٪ من المصابين به؛ ثم انتقلت من أعلى معدلات الإصابة بالعالم إلى بلد يملك أحد أقل المعدلات بخفض معدل انتشار التهاب الكبد C من 10٪ إلى 0.38٪.. وتلك ولا شك نتائج مبهرة تحققت بفضل جهود حكومية كبيرة قادتها مبادرة تبناها بعناية وإصرار الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي لولاه ما تخلص المصريون من تلك الآفة اللعينة!!
الأغنية الوطنية.. تلهب الحماس وتخلد النصر
الأغنية الوطنية لعبت دوراً خلاقاً في حفز الإرادة الشعبية وإنعاش ذاكرة الانتصارات وإبقاء الوجدان الوطني عامرًا بأمجاد النصر؛ ومن ثم صارت أكثر ارتباطاً بالوجدان الشعبي وأكثر التصاقاً بالذاكرة القومية؛ ومن ثم تعلو مكانتها بحسبانها جزءاً أصيلاً من نضال شعبنا، وعلامة فارقة على تاريخنا.. ومن هنا تحقق لها الخلود، وصارت عابرة للعصور.. وهو ما لا نراه في كثير من أغاني اليوم التي لا تصمد في الذاكرة ولا تترك تأثيراً يذكر حتى في نفوس من يحرصون على سماعها؛ ما يؤكد أن الغناء ليس مجرد صوت مترنم يشدو بلحن جميل بل إحساس وإيمان بقيمة الكلمة الصادقة التي تملك الوجدان وتحدث التغيير وتصوغ الذوق والإحساس.
الأغنية الوطنية ظهرت في مصر مع الاحتلال البريطاني وبزوغ المقاومة الوطنية بعد اندلاع ثورة 1919ضد هذا المحتل، وجسد فنان الشعب سيد درويش بصوته وألحانه مطالب الثورة، وصدح عبدالوهاب بأغنية «حب الوطن فرض عليا أفديه بروحي وعنيا» احتفالاً بمعاهدة 1936 التي أبرمها مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد مع الإنجليز.
وكان لنصر أكتوبر تأثير مختلف ومذاق خاص، فقد حظي بحالة فريدة من الصدق الفني لأغنيات عديدة مثل «باسم الله.. الله أكبر باسم الله» للمجموعة، و»أنا عالربابة باغني»لوردة، و»يا أول خطوة فوق أرضك يا سينا»، «الباقي هو الشعب» لعفاف راضي، و»لفي البلاد يا صبية»، و»قومي إليكِ السلام يا أرض أجدادي»، و»صباح الخير يا سينا» لحليم.ذاعتها السلطات الملكية آنذاك.
استدعاء الأغاني الوطنية مشهد يتكرر باستمرار كلما تحقق نصر قومي هنا أو هناك حتى ولو كان حدثاً فرديًا عابرًا.. وقد رأينا ذلك أثناء الاحتفال بالذكرى الثانية والثلاثين لاسترداد طابا.. فمن ينسى أغنية «مصر اليوم في عيد» للفنانة الراحلة شادية التي ترافقت مع تلك المناسبة العظيمة.
الفن من أقوى أدوات القوى الناعمة؛ بل إنه بمثابة جهاز مناعة وظيفته تحصين الوطن ضد كل ما هو دخيل أو معادٍ، وهو رسالة تنوير وصيحة تحذير ضد كل ما من شأنه الإضرار بوعي الناس أو الانحراف بهم عن الفضيلة والأصالة والوعي الصحيح بواجبات الوقت ومقتضيات المواطنة..كما يدرأ عنهم كل محاولة لاستلابهم أو إفساد ذوقهم بأعمال هابطة غنائية كانت أو تمثيلية أو حتى توك شو.
الأغنية الوطنية كثيرًا ما كانت تهب لتساند الدولة وتشد من أزر قيادتها في الشدائد والمفترقات الصعبة وقد رأينا كيف كان لأغاني أم كلثوم وعبدالحليم تأثير لا يدانيه تأثير، وكيف صنعا بصوتهما ببضع كلمات ما عجزت عن صنعه مئات البرامج والمقالات والكتب.
كانت بساطة «حليم» وتلقائيته وعذوبة كلماته وروعة ألحانه تسحر الآذان وتلهب المشاعر، وتحيى الأحاسيس وتصنع مجداً ليس لشخصه فقط بل للغناء المصري الذي صادف وقتها كوكبة من المبدعين تتصدرهم كوكب الشرق أم كلثوم وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وأمير الطرب والتلحين فريد الأطرش وغيرهم من عمالقة الغناء في تلك الفترة الخصبة من تاريخ مصر.
ولا ننسى أن «حليم» مثلا قدم 10 أغنيات جسدت حالة حزن اعترت المصريين بعد أحداث يونيو 67، ويحضرني ما قاله الراحل عبدالرحمن الأبنودي إنه بعد وقوع هذه الأحداث أقمنا في الإذاعة أنا وحليم والطويل ثلاثة أشهر متصلة ، أنا أكتب الأغاني، والطويل يلحنها، وحليم يغنيها..وكنا وقتها نشفق على الشعب من هول الصدمة؛ فجاءت الأغاني معبرة عن تلك الحالة وحاولنا رفع معنويات الشعب بأغانٍ مثل «ابنك يقولك يا بطل»، و»أحلف بسماها وبترابها» التي ظل حليم يرددها حتى عادت سيناء مصرية.. و»عدّى النهار»، والعندليب كان يملك حساً وطنيًا عالياً، جعله مهموماً بآمال أمته العربية كلها.
عمالقة الغناء قدموا إسهامات فنية ووطنية كبرى كرست تماسك الجبهة الداخلية والتفاف الشعب خلف قيادته.
لا شك أن الفن مرآة تعكس حقيقة ما عليه الشعوب وما تؤمن به وما تتحلى به من قيم، ويمكنك التنبؤ بحالة أمة إذا ما عرفت ما يفضله شبابها وأشبالها من أغانٍ وفنون وهوايات ورغبات.. فتلك أدوات لا تخطئ سبيلها للتشخيص الدقيق لمستقبل أي أمة ومصيرها.. وحتماً فإن الإنسانية سوف تتحسن أحوالها إذا ما أخذت الفن على محمل الجد فهو الأكثر نفاذا لذاكرة الشعوب والأكثر قدرة على بناء الذوق السليم وتهذيب الشعور واستنبات الحس الراقي والاحساس الصادق المتصالح مع نفسه ومع الحياة ذاتها.. فهل أدركنا خطورة الفن في حياة الشعوب؟!