المنارة
التاريخ ضمير الأمم وفكرها، وأمة بلا تاريخ كإنسان بلا عقل، فمن لا يعرف تاريخه لا يفهم حاضره، ولا يبنى مستقبله، لذلك ستبقى انتصارات اكتوبر المجيدة، دروساً وعبراً تدرس فى كل دول العالم، ليس فقط بوضعنا لقواعد عديدة لفن الخداع الاستراتيجي، وليس فقط لتحدينا لكل مقاييس القدرات المتعارف عليها، ولا لوجود خير اجناد الارض، ولكن لان كل ما سبق واكثر لا يجتمع فى منظومة متناغمة الا هنا... وهنا فقط على أرض مصر، ذلك الوطن الباقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
بطولات المصريين فى الدفاع عن الأرض والعرض، قديمة منذ بدء التاريخ، بل وبدأت قبل التاريخ ذاته، ومنها استشهاد الملك المصرى «سقنن رع» عام 1539 قبل الميلاد، أثناء دفاعه عن أرض الوطن وتحديداً سيناء الحبيبة، وبعد استشهاده استطاع اصغر ابنائه الملك «احمس» ان يحرر مصر من الهكسوس المستعمرين، وطردهم من مصر، وأخرجهم من البوابة الشرقية التى جاءوا منها، لتعود إلينا أرض الفيروز.
واستمرت محاولات الأعداء فى احتلال ارض الفيروز، سواء فى العصر القديم، أو فى العصر الحديث ومنها حروب «1956، 1967، حتى انتصارات 1973».
ولم يكن النصر صدفة، فقد سبقه تضحيات عظيمة، لرجال شجعان، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأبوا أن ينعم العدو بوجوده فى سيناء الحبيبة، ومنهم الشيخ سالم الهرش، بطل الحسنة، ففى أكتوبر 1968 حاول العدو تحريض أهالى سيناء على الاستقلال بها، والإعلان عن دولة سيناء وحشد فى سبيل ذلك كل طاقاته لتحقيق حلمهم فى نزع سيناء من مصريتها وعروبتها، وسعيا وراء الهدف التقى وزير دفاع العدو عددا من مشايخ سيناء لإقناعهم بفكرة تحويلها إلى دولة مستقلة.
فى نفس الوقت علمت السلطات المصرية بتفاصيل المخطط، وقررت مواصلة خداع ومجاراة الاعداء، ووافقت دول عديدة على دعم القضية فى حالة موافقة أهل سيناء على التدويل فى مؤتمر عام يراه العالم كله.
اجتمع ديان - وزير دفاع العدو - بالشيخ سالم الهرش وبعدد من كبار المشايخ معلنين موافقتهم على المقترح مبدئيا، إلا أنهم طالبوا بمهلة للحصول على إجماع شيوخ القبائل فى سيناء، وتحديداً فى 31 أكتوبر عام 1968 أعد العدو عدته لإعلان سيناء دولة منفصلة وحشد وزير دفاعهم عدته، وتوافد العشرات من وكالات الأنباء والقنوات العالمية وكبار قيادات العدو بمنطقة الحسنة من أجل اللحظة الحاسمة وفى الوقت نفسه كانت مصر تتحرك للقضاء على المحاولة.
وتم تفويض الشيخ سالم الهرش من شيوخ القبائل للحديث عنهم فقال: أترضون بما أقول؟ فقالوا: نعم. وبينما ينتظرالعدو لحظة التدويل قال الهرش: إن سيناء مصرية وقطعة من مصر ولا نرضى بديلا عن مصر وما انتم إلا احتلال ونرفض التدويل وأمر سيناء فى يد مصر، سيناء مصرية مائة فى المائة ولا نملك فيها شبراً واحداً يمكننا التفريط فيه.
لينفض المؤتمر، ويقوم المحتل بإجراءات قمعية عنيفة ضد السكان واعتقال 120 من شيوخ القبائل، أما الشيخ سالم الهرش، فقد تم اخراجه فوراً من المؤتمر، ليصل خلال سويعات قليلة الى ارض الأردن الشقيق، ومنه إلى مصر، وما هى إلا أيام قلائل ويظهر البطل أمام الرئيس جمال عبدالناصر، فى مقر الرئاسة ويقوم الرئيس بتكريم الشيخ سالم الهرش ويهديه نوط الامتياز من الطبقة الأولي، ولتظل الذكرى احدى احتفالات قواتنا المسلحة فى 31 من أكتوبر كل عام.
فلم تكن القدرات الفائقة للجنود البواسل فى حرب أكتوبر، سوى امتداد طبيعى لبطولات مستمرة تتوارثها الاجيال.. فهم من اثبتوا ان خط بارليف - المنيع - يمكن ان يتحول بالإرادة والعزيمة لقطعة مثل الجبنة الهشة المليئة بالثقوب...
وللحديث بقية