رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

إلى الأمام

غداً يوم السادس من أكتوبر.. خمسون عاماً على شروق شمس الانتصار العظيم.. أكبر وأجمل وأقوى انتصار على العدو الصهيوني.. يقولون روح أكتوبر وأقول روح كل مصرى سواء المقاتل على خط النار أو المقاتلين والمجاهدين على الصفوف الأخرى أمامية وخلفية وجانبية وغيرها.
روح المصرى هى النتيجة والدرس الأول والقاسى الذى استخلصه جميع القادة العسكريون والمحللون الاستراتيجيون الذين صدموا وفوجئوا بنصر أكتوبر التحدى الكبير لكل القوى على الساحة العسكرية والسياسية.. تلك الروح التى فرضت قواعد جديدة فى لعبة المواجهة على الأرض وفى الساحات الأخرى التابعة والمتتابعة بعد ذلك.
روح المصرى وقدرته على التحدى وتحقيق العبور الحقيقى كانت الشغل الشاغل لقادة العدو ومن والاهم لم يجدوا بدا أو غضاضة من الاعتراف بانهم أساءوا التقدير والفهم للروح المصرية وان حساباتهم توقفت عند عوامل التفوق المادى وامتلاك أحدث أنواع الأسلحة وأعماهم غرور القوة عن ان يدركوا معنى كلمة مصرى ومعنى احتلال وطن.. وهو الأمر الذى كشف عنه بوضوح موشى ديان عقب هزيمة 67 حين وقف على الضفة الشرقية للقناة وظن ان المانع المائى وخط بارليف قد ضمنا للعدو حماية لا يمكن تجاوزها ومعهم السلاح الأمريكى فى أحدث طبعاته.. وقال كلمته المشهورة: هل هناك خط حماية أقوى وابعد من ذلك.. فغرتهم الأمانى وتلبسهم الغرور ولم يفوقوا إلا على ضربات الزلزال المدمر فى أكتوبر المجيد بحسب وصف كبرائهم ومن علموهم السحر.
لفت انتباهى الاحتفاء الإسرائيلى فى الذكرى الخمسين لانتصار أكتوبر العظيم بالعربى ويوم كيبور بالعبرى بتصريحات داهية وثعلب الدبلوماسية الأمريكية العجوز د.هنرى كسينجر والدور الذى لعبته أمريكا فى إنقاذ إسرائيل وهى على حافة الانهيار الكامل والهزيمة الساحقة فى الثلاثة أيام الأولى للمعركة.
ففى أسبوع واحد أجرت معه صحيفتان إسرائيليتان مقابلتين عن حرب أكتوبر.. الأولى صحيفة معاريف الجمعة 22 سبتمبر وبعد أربعة أيام صحيفة جيروزاليم بوست يوم 26 وكان التركيز على دخول أمريكا الحرب بشكل كلى إلى جانب إسرائيل والخداع الذى مارسه كيسنجر على الصعيد الدبلوماسى والعسكرى وكيف أجبر قادة أمريكا.. نيكسون وفورد على الانضمام بشكل جدى وعملى للمعركة وقد نجح فى ذلك ايما نجاح بفضل أساليب المراوغة والمكر والخديعة.. وانتصر فيها بشكل لا مثيل له ليهوديته على حساب كل مبادئ القيم والأخلاق بلا أدنى حرج أو حساسية.
أحاديث كيسنجر المراوغة أجبرتنى على العودة إلى شهادات كبار القادة العسكريين فى جيش العدو أنفسهم واعترافاتهم الواضحة بالهزيمة وشهاداتهم الموثقة سواء فى مذكراتهم الشخصية أو أمام لجنة التحقيق التى شكلت خصيصا لبحث أسباب الهزيمة والانتصار المصرى الساحق فى يوم كيبور وهى اللجنة المعروفة باسم لجنة جرانات. وشكلها الكنيست واتخذت اسمها من رئيسها القاضى «شمعون أجرانات» ثالث رئيس للمحكمة العليا الإسرائيلية الذى شغل منصبه بداية من 18 مارس 1965 وحتى 8 سبتمبر 1976.
شمل قانون لجنة أجرانات الذى أصدرته الكنيست على آلية تحصين أعمال اللجنة قانونياً ودستورياً ومنحها شرعية استدعاء واستجواب القادة والساسة الإسرائيليين مع عدد آخر من البنود الرئيسية. حدد قانون أجرانات آلية رسمية لمباشرة التحقيقات فى الأحداث والوقائع التى أدت لفشل أجهزة الاستخبارات والحكومة وجيش الاحتلال وبدأت لجنة أجرانات جلساتها صباح 21 نوفمبر 1973 وعلى مدار 140 جلسة سرية استمعت وحققت مع 58 شاهداً من القادة والضباط والسياسيين الإسرائيليين على كافة المستويات للتحقيق والاستماع وتقديم الشهادات الرسمية. وقد أصدرت لجنة أجرانات أولى توصياتها فى اول إبريل 1974 حملت فيها المسئولية لبعض الشخصيات العسكرية دون غيرهم. وعلى إثر تلك التوصيات أجبر عدد كبير من العسكريين والسياسيين فى إسرائيل على تقديم استقالاتهم الفورية وفى النهاية انهارت الحكومة بكاملها. أوصت لجنة أجرانات بنقل اللواء احتياط «إيلى زاعيرا» مدير جهاز الاستخبارات الحربية المعروف بالاسم «أمان» بعيداً عن وظيفته.
الاعترافات بالهزيمة على لسان قادة الحرب تتوالى سواء فى الندوات التى أقيمت خصيصاً أو فى شهاداتهم الرسمية ومذكراتهم أو تحليلاتهم..منها:
>> ما قاله موشى ديان يوم 4 أكتوبر 1973: «إن إسرائيل تخوض الآن حرباً لم تحارب مثلها من قبل سواء عام 1956 أو فى معارك الأيام الستة عام 1967 وهذه حرب صعبة، ومعارك المدرعات قاسية، ومعارك الجو مريرة.. إنها حرب ثقيلة بأيامها وثقيلة بدمائها». وقال تعليقاً على وجود أسلحة دفاع جوى جديدة لدى مصر: كان الجيش الإسرائيلى يعلم بوجود هذه الأسلحة لدى مصر ولكن استخدام قوات الدفاع الجوى المصرى لها بكفاءة عالية هو ما لم نكن نعلمه.
«إن حرب أكتوبر كانت بمنزلة زلزال تعرضت له إسرائيل».
>> رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق إيهود باراك والذى كان وقتها ضمن قوات الاحتياط الإسرائيلى قال: «فى ذلك اليوم، ضاع أثر نصر عام 1967 النفسي، وضاع الشعور بأن الجيش الإسرائيلى لا يُهزَم».
>> رئيس سلاح المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق الجنرال عاموس يدلين اعترف اكثر من مرة وفى اكثر من مناسبة بأن هزيمتهم الساحقة فى حرب السادس من أكتوبر عام 1973 على يد قوات مصر المسلحة كان بسبب عنصر المفاجأة وفشلهم استخباراتيا فى التنبؤ بموعد الحرب.
>> آمنون كابيليوك صاحب كتاب «إسرائيل.. انتهاء الخرافة» قال: تقول الحكمة البريطانية كلما كان الصعود عالياً كان السقوط قاسيا..وفى السادس من أكتوبر سقطت إسرائيل من أعلى برج السكينة والاطمئنان الذى كانت قد شيدته لنفسها وكانت الصدمة على مستوى الأوهام التى سبقتها قوية ومثيرة.. فى المرات السابقة كان الجنود يعودون إلى ديارهم بعد تسريحهم وكانوا يذوبون فى موجة السعادة والفخر أما هذه المرة فقد عادوا وقد استبد بهم الحزن والفزع واحتاج الكثيرون منهم إلى التردد على قسم العلاج النفسى فى الإدارة الطبية التابعة للجيش نظراً لإصابتهم بصدمة قتال.
>> الجنرال الإسرائيلى شيعيا جافيتش قال فى ندوة عن حرب أكتوبر بالقدس فى 16 سبتمبر 1974: بالنسبة لإسرائيل ففى نهاية الأمر انتهت الحرب دون أن نتمكن من كسر الجيوش العربية ولم نحرز انتصارات ولم نتمكن من كسر الجيش المصرى أو السورى على السواء ولم ننجح فى استعادة قوة الردع للجيش الإسرائيلى وإننا لو قيمنا الإنجازات على ضوء الأهداف لوجدنا أن انتصار العرب كان أكثر حسماً ولا يسعنى إلا الاعتراف بأن العرب قد أنجزوا قسماً كبيراً للغاية من أهدافهم فقد أثبتوا أنهم قادرون على التغلب على حاجز الخوف والخروج إلى الحرب والقتال بكفاءة وقد أثبتوا أيضاً أنهم قادرون على اقتحام مانع قناة السويس ولأسفنا الشديد فقد انتزعوا القناة من أيدينا بقوة السلاح.!!
>> حاييم هيرتزوج رئيس دولة الكيان الأسبق قال فى مذكراته حول حرب أكتوبر: «لقد تحدثنا أكثر من اللازم قبل السادس من أكتوبر وكان ذلك يمثل إحدى مشكلاتنا فقد تعلم المصريون كيف يقاتلون بينما تعلمنا نحن كيف نتكلم لقد كانوا صبورين كما كانت بياناتهم أكثر واقعية منا، كانوا يقولون ويعلنون الحقائق تماما حتى بدأ العالم الخارجى يتجه إلى الثقة بأقوالهم وبياناتهم».
>> وهل هناك أقوى من شهادة جولدا مائير رئيسة وزراء العدو وقت الحرب.. قالت فى مذكراتها إن حرب أكتوبر لم تكن مجرد حدث عسكرى كبير أو رهيب وإنما مأساة عاشت وستعيش معها حتى الموت. وأضافت «لقد وجدت نفسى فجأة أمام أعظم تهديد تعرضت له إسرائيل منذ قيامها، وقد انهارت معتقدات أساسية كانت راسخة لدينا فى ذلك اليوم ومنها إيماننا المطلق بقدرتنا على منع المصريين من عبور قناة السويس».
عندما استعيد تلك الأيام اتذكر الأخبار المروعة التى كانت تصل من الجبهة والخسائر التى تمزق قلبي.. وتقول إنها فكرت فى الانتحار فى الأيام الأولى للحرب لأنها صرحت قبل حرب أكتوبر بأن مصر لا تملك القدرة على شنها ولا يوجد بها القائد الذى يستطيع اتخاذ قرار حرب وإلا أرسل شعبه للهلاك!
>> فى ذكرى النصر.. نقول لكل مصرى كل يوم وأنت فى نصر.. ومن نصر إلى نصر.
والله المستعان..


تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة