في أطروحته "من أين ندخل إلى التسامح"
يقول فرانسيس بيكون " فمن يختار العزلة أو التفرد فإما أن يكون إلها أو يكون أحمقا".. وربما لا يحتاج تعبير بيكون إلى كثير من الشرح أو التفسير، فالإنسان هو الآخر- إذا جاز التعبير- إن النوع الإنساني لن يتحقق في غياب الآخر أو تغييبه فحقيقة الإنسان ومعنى وجوده يكتمل بحضور الآخر وهو في غياب هذا الآخر نصف إنسان أو ربما لا شيء أصلا.. لكن حضور الآخر في غياب التسامح كارثة وانهيار للإنسانية ومعانيها باعتبار وجود التسامح ضرورة وضمانة وهو" الطريق الأكثر أمانا والأقل كلفة في التعامل مع الآخر" كما يقر الكاتب والمفكر محمد وردي.
وربما لا تحتاج البشرية في لحظتها الراهنة قدر ما تحتاج إلى "التسامح" ذلك الجسر الذهبي الذي يمكنه نقل الإنسان المعاصر إلى ضفة السعادة والسلام النفسي ومواصلة سيره نحو غد أجمل بلا مشاحنات ولا صراعات فقد دفعت البشرية على مدار تاريخها أثمانا باهظة في غياب "التسامح" وستدفع المزيد من الأثمان لا محالة إن لم تصعد بإرادتها الحرة و"عقلها الذكي" فوق هذا الجسر .
ربما تعد السطور القليلة السابقة مدخلا مناسبا للمرور إلى عمق أطروحة وردي وإلى الجهد اللافت من البحث والتأمل الذي قدمه في طريقه إلى استخلاص تلك الحقائق وتقديم إجابة شافية على سؤاله " من أين ندخل إلى التسامح" ذلك السؤال الذي صكه عنوانا لأطروحته التي صدرت مؤخرا.
جهدا ضافيا وجديرا بالتقدير الحقيقي قدمه وردي في رسم ما يشبه خارطة طريق إلى إعادة توطين التسامح في ثقافتنا العربية أو بالأحرى إعادة اكتشافه ، فالباحث لم يتعجل الوصول إلى طرح منقوص بل رأى في عملية بحثه عن "التسامح" أن يحيط بالمفهوم وتمثلاته في التاريخ الإنساني عامة بالتوازي مع نبشه في التاريخ العربي؛ فعاد كثيرا إلى الخلف متتبعا منبت " التسامح" في المسيرة الإنسانية راصدا تحولاته وتطوره وانتهاء باعتباره " أرقى تمظهرات الأنسنة في مسيرة الإنسان" على حد تعبيره ، وبالتوازي حفر بعمق ووسع الحفر في تربة الثقافة العربية حول حقيقة التسامح ومنبته بشكل متفرد في الرؤية والمنظور وقدم دراسة وافية أحاطت بالمفهوم وجذوره إحاطة تكاد تكون مدهشة .. وربط ربطا عميقا بين التسامح بمعناه الواسع كمنزلة حضارية يسعى إليها الإنسان المعاصر وبين ما أسماه العقل الذكي أو العقل العارف هذا الذي يعتبره وردي نقطة الارتكاز الحقيقية والرئيسة فهم حقيقة التسامح والوصول إليه.
أقر الباحث في مؤلفه بأن التسامح في الغرب تنامى على ضفاف "الحداثة" التي تأسست على قاعدة نهضة اقتصادية خلقت طبقة اجتماعية جديدة وفرت بيئة حاضنة سمحت بالاتجاه للاهتمام بالعلوم الإنسانية بالتزامن مع الثورة التي شهدتها الفنون والآداب و"أنسنة" الدين و تأسيس "العقل العارف" تلك النهضة التي سارت في اتجاه التشكل من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر و استمر فيها حضور( اللا تسامح) في جميع أرجاء أوربا وكان للاهتمام فيها بالعلوم الإنسانية من فنون وآداب وفلسفة وتاريخ دور كبير؛ إذ تحول تدريجيا من اعتبارها طريقا للرفاهية إلى عملية تسهم في اكتشاف ذات الإنسان وجوهر ماهيته.. ومعرفة الكثير عن نفسه وحقيقتها وحكمة وجوده والطريق إلى سعادته،
وهو ما يشير ضمنا إلى ضرورة الاعتناء بهذا الجانب من العلوم في عالمنا وثقافتنا العربية التي لا تعتني في مجملها إلا بالدراسات التي ترتبط مباشرة بسوق العمل ولقمة العيش بينما مازالت النظرة إلى العلوم الإنسانية تقف لدينا عند مستوى الترفيه الذي يصل أحيانا للسخرية والازدراء فيما يخص بعض أشكال الإبداع وتخصصات علم النفس والفلسفة ..
كما أقر بشجاعة وموضوعية في المقابل بأن العقل العربي لم يدخل معترك الحداثة أصلا وفعليا لأسباب مختلفة فضلا عن أنه وبتعبير الباحث " قتل " الفلسفة منذ أكثر من ألف عام ، مما حرم الثقافة العربية من المسار ذاته والنتيجة نفسها.. غير أن وردي منحنا الثقة مجددا في قدرة الثقافة العربية على الإسهام في بلورة " التسامح" العصري عبر مسارات أخرى بديلة من خلال استعادة جذوره من عمق التاريخ العربي واستنباته في تربة الحاضر اتكاء على الفنون والآداب بقدرتها على مساعدتنا على اكتشاف ذواتنا واسترداد إنسانيتنا المختطفة.
كما يعتقد محمد وردي ونعتقد معه أن الفيصل في معادلة التسامح هو وجود العقل العارف أو العقل الذكي الذي أسسته الحداثة الغربية فعلا ويعول وردي كثيرا جدا على قدرة هذا العقل على السعى بدأب لاكتشاف كينونة الإنسان هذا العقل الذي تكون في مسيرة الغرب واشتبك مع الحداثة وتحرر وسعى في اتجاه أنسنة الدين واستطاع عبر العلوم والفنون والآداب لاسيما العلوم الإنسانية أن يبلور مفهوما واضحا للتسامح وأن يرسخ ثقافة التعايش والمواطنة هو ذاته العقل الذي يحاول وردي أن يشق له مكانا في تربة الثقافة العربية أو بتعبير أدق يعيد اكتشافه
فقد تتبع خيوط التسامح العربي حتى عاد بها إلى ما رأى أنها جذوره العميقة في الثقافة العربية وتحديدا عندما ربطه بما وصفه بـ "سردية الجوع" وسطوة الصحراء وبذرة الإيثار عند الإنسان العربي القديم وأعاد تحليل مرويات مثل "إيثار" عنترة بنت عفيف و"جود" عمرو بن مناف" هاشم" و"جفنة" عبد الله بن جدعان مرورا بـ " رفادة الحجيج وحلف الفضول" وغيرها من المشاهد الذي تستدعي نبتة الإنسانية العربية المبكرة والأصيلة حتى قبل الإسلام
عرض وردي كيف استطاع العقل العارف/ الذكي ( القديم ) اختراق حصار " الأخوة" المضروب حول النطاق القبلي الضيق عندما "أبدعت" القبائل العربية ثقافة مكارم الأخلاق ويعد حلف الفضول تجليا من تجليات ذلك الإبداع ذلك الحلف الذي انتصرت مبادئه للإنسان حتى وإن كان من خارج القبيلة أو غريبا عنها.
رأي وردي إن الأمل في العقل العربي الذي لم يأخذ نصيبه من الحداثة يظل إلى جانب العلوم الإنسانية والفنون والآداب بقدرتها العظيمة على زراعة بذور الجمال في النفس وطرح المزيد من مساحات الخيال في الوجدان وهي كما يصفها وردي "وصفة للأنسنة عابرة للغات والهويات".. يظل مرتبطا باستعادة " ثقافة مكارم الأخلاق" التي أبدع البحث في الاستدلال بأعلى نقطة فيها وهى "الكرم" وهي القيمة الأكثر رسوخا في الوعي والممارسة التاريخية العربية قبل الإسلام وهى بلا نقاش رأس سنام منظومة قيم " مكارم الأخلاق" بتعبير الشيخ المجدد عبد الله بن بيه الذي يرى وردي في خطابه أملا كبيرا في تجديد خطاب حقيقي يأتي بجديد جدير بالنقاش.
إن الإيثار على النفس في بيئة صحراوية قاحلة قاتلة للحياة تدعو أكثر ما تدعو إلى الأنانية والصراع والاستحواذ على اسباب الحياة لهو قيمة جديرة بأن تكون نبتة وبذرة للتسامح والعطاء نبتت مبكرا في التربة العربية.
وضمن ما يقدمه لنا وردي من معالم طريق السعادة هو ضرورة إعادة شحن الخطاب الإسلامي بشحنة جمالية معتبرا أن التقليل من منسوب الشقاء وزيادة جرعة السعادة( بتعبير وردي) أمر فارق في صناعة الحياة وزرع الجمال والجمال الذي يرمي إليه وردي في الخطاب الإسلامي يصفه بقوله" تركيبة لغوية نظيفة شفيفة لطيفة، خفيفة على القلب والروح وهى مقاربة لغوية تقوم على الألفة والمودة والمحبة، بل على اللهفة والشغف"
وفي الختام يمكننا القول إن محمد وردي قدم ورقة بحث مكتملة أحاط فيها بالموضوع إحاطة مدهشة ؛ فقد طاف حول " التسامح" وتتبع مسيرته عبر التاريخ البشري والثقافات الإنسانية وتعاليم الأديان مؤكدا أن التسامح مفهوم أكبر وأوسع من أن يحبس في بيئة بعينها أو يحسب على ثقافة ما دون غيرها أو يعامل كاختراع يضاف لرصيد شعب أو بلد أو دين دون غيره.. إن التسامح حالة إنسانية تحققت في لقطات لافتة وفي مشاهد يذكرها التاريخ الإنساني ويحفرها في متنه وتكررت في أكثر من موضع وتمثلت في شخصيات مختلفة.. دينية وتنويرية وأسهم في بلورتها على مدار التاريخ الإنساني نماذج مختلفة من البشر بدرجاتهم المتباينة في السلم الاجتماعي والعلمي وهو مفهوم إنساني مازال قابلا بل محتاجا إلى المزيد من الإضافة والبناء.