رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لوجه الله


فى ذكرى مولد رسول الله الخاتم (محمد بن عبدالله) صلوات الله وسلامه عليه علينا أن نتذكر صفاته وخصائصه وأخلاقه التى تعلمنا منها كل معانى الرحمة والتسامح والعدل والرفق بكل خلق الله.. تلك المعانى الجميلة التى يجب أن تصاحبنا فى حياتنا العملية، فقد جعله الله سبحانه وتعالى بنص القرآن الكريم (أسوة حسنة وقدوة طيبة) لكل البشرية وليس لأتباعه فقط، وصدق الله حيث يقول:» لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر».
كان رسول الله صلى الله عليه سلم قمة فى الاتزان النفسى والسمو الأخلاقي، حتى فى أحلك الظروف التى مر بها، لم يضجر، ولم يغضب لأسباب واهية، وكان غضبه لتجاوز حرمات الله، وكان يوجه كل المحيطين به دائما الى كيفية ضبط النفس، وعدم الانسياق وراء أهوائها.
لذلك لم تقتصر توجيهاته الكريمة على ما يقرب الإنسان من خالقه ويهديه الى طريق السعادة والجزاء الأوفى فى الآخرة فحسب.. بل كان هديه وتوجيهاته طريقا لسعادة الإنسان وجلب الراحة والطمأنينة له فى حياته وعلاقاته بالناس، وحمايته من كل مكروه قد يجلبه له التوتر والانفعال والعصبية الزائدة.. كان دائما يسعى أن يحقق الانسان فى حياته سعادة الدنيا والآخرة وذلك من خلال التوجيهات والوصايا النبوية الكثيرة والمتنوعة.
>>>
تعلمنا من رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم كل قيم الرحمة والتسامح والعفو من خلال توجيهات نبوية متعددة ومتنوعة؛ فقد بنى عليه الصلاة والسلام شخصية الإنسان على القوة والشجاعة والانحياز للحق والعدل، مؤكدا أن المسلم الحق ليس إنسانا ضعيفا، ولا هزيلا ولا مستسلما لما يجلب له الإهانة والخزى بين الناس.
لذلك علمنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الشجاعة والجرأة فى الحق، وأن يدافع الإنسان عن حقوقه وحقوق الآخرين بكل الوسائل المشروعة، دون أن يتجاوز فى حق أحد ودون أن يظلم أحدا.. والشجاعة التى ينبغى أن تلازم المسلم فى كل أحواله لا تعنى التهور والاندفاع بأى حال من الأحوال.
والتربية النبوية لا تقف عند حدود حب الآخرين وتمنى الخير لهم، ولا عند أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، بل تتجاوز ذلك بكثير، ليؤثر الإنسان الآخرين على نفسه، وهذا شأن كل إنسان تربى فى مدرسة الرسول الأخلاقية، فهو ينكر ذاته، ويؤدب نفسه ويهذبها، حتى لا تسيطر عليها رذيلة الأنانية فتدمرها وتفسد علاقتها بكل خلق الله.
من هنا كان خلق»الإيثار» أجمل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حيث كان نموذجا مشرفا ومثالا نادرا فى التضحية من أجل الآخرين.
>>>
من أقواله صلى الله عليه وسلم:» التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله».. هذا هو رسول الإنسانية والرحمة الذى علمنا كيف نتسامح ونتراحم ويعفو بعضنا عن بعض فى إطار من الود والاحترام، فما أجمل أن يتنازل الإنسان عن حق له، ويعفو بطيب نفس عمن ظلمه، ويتعامل مع الآخرين بتسامح ورحمة.
لقد علمنا عليه الصلاة والسلام قيم التسامح والعفو والرحمة فى التعامل مع كل خلق الله، لا فرق فى ذلك بين مسلم وغير مسلم، فالمسلم الحق يحب العفو ويتخلق بالتسامح، وشعاره قول الحق سبحانه:» خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين».
الإنسان الذى يتخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين أن عفوه ليس ضعفا، بل قوة تكسبه احترام الآخرين، وتؤلف حوله القلوب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:» ما نقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغى بها وجه الله إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة».. فالعفو خلق العظماء الذين رزقهم الله نفوسا طيبة، وهو يضع أقدام صاحبه على طريق التقوي، فالله سبحانه وتعالى يقول: « وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم».
والعفو مطلب قرآني، أمر الله رسوله الكريم بالتسلح به حتى فى تعامله مع المخالفين والمنافقين وغيرهم، فقال: « فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر».
ولا يقف حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترسيخ هذا الخلق على أقواله السابقة وغيرها، بل تجسدت كل معانى العفو فى سلوكه الكريم حيث ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة فى العفو والتسامح، فتحول أمام إنسانياته الكريمة العدو إلى محب.
>>>
لقد نشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقافة» الذوق العام» بين الناس من خلال سلوكه الفاضل واحترامه للكبير والصغير، وتأديبه لكل المحيطين به والمتعاملين معه بأدب الإسلام وأخلاقه، ومراعاته لمشاعر الآخرين حيث تعددت توجيهاته الكريمة فى هذا الأمر فضلا عن سلوكه المنضبط بالخلق الحسن، وصدق الله عز وجل فى وصفه لخاتم الأنبياء والمرسلين بقوله:» وإنك لعلى خلق عظيم».
وعلمنا صلى الله عليه وسلم كيف نحترم مشاعر الآخرين ونحترم كرامتهم ونبتعد عن كل ما يزعزع الثقة فيهم، أو يمزق أواصر الود والحب والتواصل معهم.. والسلوك النبوى الذى يجسد ذلك كثيرا ومتنوع، كما أن أقواله الشريفة التى تصب فى هذا الأمر أكثر من أن تحصي، حيث تعددت وتنوعت وصاياه عليه الصلاة والسلام بالتسلح بحسن الخلق، كما تعددت تحذيراته من كل سلوك ينشر عدم الثقة بين الناس، ولو تأملنا تحذيره صلى الله عليه وسلم من أن يتناجى اثنان بحضرة ثالث ـ أى يتحدثان معا بصوت خافت لا يسمعه الثالث ـ وذلك مخافة أن يحزنه ذلك، لوجدنا هذا المعنى واضحا، فهذا التصرف الذى يفعله كثير من الناس دون أن يأبه بنتائحه أو تداعياته- ينشر الظنون والأوهام بين الناس.. فكل من يتعرض لهذا الموقف لابد أن تسيطر عليه الظنون فيزعم أن حديث الاثنين عنه، أو أنهما يخفيان عنه أمرا ما، أو يمنعان عنه شيئا من الأشياء، أو أن صلتهما به ليست من القوة بحيث يعلنان له الحديث، أو يجهران أمامه، وحتى يقضى على الظنون والأوهام جاء توجيهه واضحا، قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد».
كان عليه الصلاة والسلام مثالا فى الأخلاق الفاضلة وليتنا جميعا نتحلى بأخلاقه ونعمل بوصاياه الكريمة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة