لوجه الله
مع كل زلزال يحدث فى أى مكان من العالم وتتعدد ضحاياه وخسائره تكثر التساؤلات حول إمكانية التنبؤ بالزلازل لتفادى آثارها المدمرة بشريا واقتصاديا.. ومع ذلك يظل السؤال حائرا بين أدعياء التنبؤ بوقوع الزلازل وتأكيد علماء الجيولوجيا بأن الأمر لا يزال خارج علم البشر، وأن ما يتردد حول التنبؤ بوقت ومكان حدوثها مجرد تكهنات قد تحدث بالصدفة وقد لا تحدث.. كما حدث مع توقعات الباحث الهولندى «فرانك هوغربيتس»، والذى تنبأ بزالزالى تركيا وسوريا فى فبراير الماضي.
أساتذة الجيولوجيا فى العالم يؤكدون أن وقت وأماكن وقوع الزلازل لا يزال فى علم الغيب، ولم يستطع العلماء فى مختلف دول العالم وفى أكثرها تقدما التنبؤ بوقوع الزلازل، لا من حيث وقت الوقوع، ولا من حيث أماكنها على وجه اليقين.. كلها اجتهادات وتوقعات ليس أكثر، ولو كان هذا ممكنا لكانت أمريكا واليابان وغيرهما من الدول المتقدمة قد تفادت وقوع الزلازل أو تداعياتها على أرضها، ولكن هذا لم يحدث، ولذلك لا ينبغى أن ننساق خلف محاولات (الدجل العلمي) الذى يتردد هنا وهناك.
إذن الزلازل - وكما يؤكد علماؤها - لا تزال فى علم الغيب، ولم يتمكن أحد من التنبؤ بها حتى الآن، وأى كلام عكس ذلك هو خارج نطاق العلم الصحيح.. ولم يحدث التنبؤ سوى فى زلزال واحد وكان سنة (1974) فى الصين قبل وقوع الزلزال بـ4 ساعات.. وتم إخلاء المدينة وحدث الزلزال بالفعل، ولم تحدث خسائر.. وفى العام التالى (1975) وقع زلزال فى المدينة نفسها فى الصين وكانت خسائره البشرية أكثر من 140 ألفا ولم يتنبأ به أحد.. ولذلك علماء الزلازل لا يتوقفون عن محاولة التنبؤ بالزلازل، لكنها حتى الآن تظل ظاهرة طبيعية من صنع الخالق وفى علم الخالق وحده، وكل ما يسعى إليه علماء الزلازل الآن هو تقليل الخسائر والتداعيات.. لكن البراكين والأعاصير يمكن التنبؤ بها.
لا ينبغى أن يكتفى علماء الجيولوجيا والفلك وغيرهم من المعنيين بدراسة الظواهر الطبيعية بترديد عبارة أن الزلازل خارج نطاق علم وقدرة البشر، بل عليهم أن يسعوا لمعرفة المزيد من أسرار الأرض وما يحدث فيها من ظواهر طبيعية، فقد هيأ الله لهم عقولا تبحث وتعى وتحلل وتوظف الأدوات العلمية الحديثة، وعلى العلماء أن يواصلوا البحث والتدقيق والتحرى والاستفادة مما تحت أياديهم من وسائل وأدوات علمية تساعدهم فى تفسير ومراقبة ورصد كثير من الظواهر الطبيعية.. ولا ينبغى أن يقف العلماء عند عبارة «لا تزال الزلازل فى علم الغيب» وأن يواصلوا الجهود لمزيد من العلم والفهم والوعى وتسخير ما يتوصلوا إليه من علم ووعى لخدمة البشرية، وعليهم أن يسعوا بكل إخلاص لاكتشاف المزيد من أسرار الكون.
لماذا لا يستفيد العلماء من دراسات الباحث الهولندى الذى صدق تنبؤه أكثر من مرة ويصفون جهوده بالدجل العلمي؟!
❊❊❊❊
كل هذا لا يعنى أن نتجاهل القدرة الإلهية التى لا يزال علمها غائبا عن البشر، فنحن نؤمن بأن الزلازل والبراكين وغيرها من الظواهر الطبيعية ستظل آية من آيات الله فى خلقه، تفرض على الجميع أن يؤمن بوجود قدرة خفية تفعل ما لا يستطيع أحد فعله.. وهى قدرة الخالق سبحانه الذى قال فى القرآن الكريم: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، وقال عز وجل: «قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ».
لقد اتفق العلماء قديما وحديثا على أن ما شهده ويشهده عالمنا المعاصر من ظواهر طبيعية وخاصة الزلازل والبراكين هى من جملة الآيات التى ينبه الله بها عباده إلى ضرورة الايمان به، والتسليم بقدرته، والاهتداء بهديه.. وأن الاستمرار فى تجاهل هداية السماء من شأنه أن يجلب لهم المزيد من غضب الله وعقابه، وهذا المعنى واضح فى النص القرآني: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ».
هذه النصوص القرآنية وأشباهها، تفرض علينا جميعا أن نسارع بالتوبة إلى الله، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الذنوب والمعاصي، حتى تحصل لنا العافية والنجاة فى الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنا كل بلاء، ويمنحنا كل خير، وصدق الله حيث يقول: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون»، وقوله- عز وجل: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَو َأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ».
❊❊❊❊
ما يحدث حولنا من زلازل وأعاصير وبراكين وغيرها من ظواهر طبيعية يفرض علينا- سواء علمنا أسرارها أو لم نعلم- أن نحتاط ونتخذ ما يلزم من وسائل الحماية سواء فى بناء المساكن والطرق والسدود وغيرها، وهذا هو شأن العقلاء فى كل مكان، كما أنه مطلب ديني.. وقد أكد كثير من الخبراء والمحللين بأن الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التى شهدتها هذا العام تركيا وسوريا والمغرب وليبيا ما كانت ستحدث لو اتبعنا الوسائل الآمنة فى إقامة المساكن والمنشآت والبيوت والسدود والطرق وغيرها.
الدرس الأكبر الذى يجب أن يعيه الجميع أن الزلازل ظاهرة طبيعية موجودة فى مناطق كثيرة من العالم، وشعوب كثيرة تأقلمت عليها، ودول عديدة تأخذ الحيطة والحذر منها، ولذلك لا تحدث فيها الخسائر البشرية أو المادية التى تحدث فى مناطق أخري، كما شاهدنا فى زلازل تركيا وسوريا والمغرب.
الزلزال تحدث بكثرة فى عدد من دول العالم، ولا نرى لها خسائر كبيرة كالتى نراها فى بلادنا العربية، لأن الزلزال فى حد ذاته لا يقتل ولا يدمر إلا المساكن التى لم يراع فى بنائها الاشتراطات اللازمة للبناء فى مناطق الزلازل، بدليل وقوع زلازل قوية فى أوقات متقاربة فى اليابان مثلا، ولا نرى هذا الحجم الهائل من الخسائر، وهذا يرجع إلى أن اليابانيين قد أهلوا أنفسهم لاستقبال زلازل فى أى وقت، وأقاموا مساكنهم وفقا للاشتراطات الهندسية المطلوبة ووفقا لأكواد الزلازل، ولذلك تقل خسائرهم من الزلازل المتتابعة التى تضرب بلادهم، كما أنهم أصبحوا مثقفين ولديهم الوعى اللازم للتعامل مع الزلازل.