رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"بالبنط العريض"

يضج العالم الآن بترسانة من المواقع والتطبيقات والمنصات على الانترنت من المفترض أنها ظهرت لتسهيل عمليات التواصل بين الناس، لكن ولأنها مجانية ولا تضع شروطا لمستخدميها أضحت أداة من أدوات الحروب الدعائية، تطلق العنان لمرتاديها لينشروا ما يشاءون من معلومات وأخبار وصور وفيديوهات، ولم يعد ممكنا أن نميز بين الصادق والكاذب منها، ففى عالم ليس بإمكانك التحقق من هوية المتحدث أنت وسط غابة من الكذب والكل بإمكانه أن يفتى فيما لا يعلم ، ودخلت االسوشيال ميدياب فى صراع السياسة عبر استهداف الدول من الداخل وامتلأ الواقع الافتراضى بالساسة والفلاسفة والمفكرين والمنظرين، المزيفين والمجهزين لإدارة تلك الحروب مع بسطاء الناس على السوشيال ميديا وأصبحت صناعة الكذب سلعة رائجة لها محترفوها المتخصصون فى تكدير السلم المجتمعي، وهم نوعان، الأول ينفذون أجندة خارجية تستهدف المواطن والنوع الثانى يضم فئة ممن لا عمل لهم وجدوا ضالتهم المنشودة بكاميرا هاتف جوال يتحدثون عن كل شيء بداية من صلاحيات الحاكم وحتى سعر رغيف الخبز، ولا أحد يعرف مؤهلاتهم للحديث فى أى موضوع يطرحونه، معظمهم ينحصر تاريخه السياسى فى بعض المنشورات على فيسبوك وتويتر وبعض افيديوهاتب فى يوتيوب مع بعض الصور لجلب الزبائن، وبعضهم لم يكمل تعليمه لكنه يرى فى نفسه المقدرة على إدارة المرافق وصنع السياسات الداخلية والخارجية، حالة لا متناهية من الفراغ.
فى نظر الفئة الأولى الدولة دائما فى موقع تقصير والسياسات خاطئة ولابد من خلق حالة عدم رضا وتعكير المزاج الشعبى لخدمة مخطط الفوضي، أما الفئة الثانية فهم مهاويس الشهرة والمال وآخر شيء يعدون له أو يدققون فيه هو المحتوى وحديثهم فى السياسة ليس سوى استرزاق لركوب التريند.
نعم السياسة موجودة فى كل شيء، فى الطعام و الشراب والملبس، فى كل مناحى الحياة اليومية، السياسة من وإلى الشعب بالفعل، والشعب شريك فى صنع السياسة عند مرحلة معينة منها ولكن ينبغى أن يعرف كل شخص موقعه ودورة وإمكاناته، فهناك فرق كبير بين أن تكون معنيا بالسياسة باعتبارها تستهدفك وتنظم حياتك وبين أن تكون فاعلا سياسيا لديك الموقع المسئول والقدرة على صنع السياسة واتخاذ القرار، وليس من المنطق أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعى لمنصات انتقاد للسياسات العامة بسبب وبدون سبب، وليس من المقبول أيضا أن يتحول الكلام فى السياسة إلى مهنة من لا مهنة له، فقط لمجرد أنه وجد منصة تتيح له أن يكتب ما يشاء وقتما يشاء من دون رقيب أوحسيب تحت مسمى سياسة.
فكرة التنظير على صانع السياسة بحجة أن كل ما هو سياسيا مطروح للنقاش من باب المشاركة السياسية قول مغلوط تحت عناوين براقة إما لتضليل المتابعين وخدمة الهدف السياسى أو لمجرد جذب المتابعين كرقم للربح، فالمشاركة السياسية نشاط يرمز إلى مساهمة المواطنين ودورهم فى إطار النظام السياسى بقصد التأثير فى عملية صنع القرار وهى من أشكال الممارسة السياسية بالفعل، لكنها تتعلق حتما ببنية النظام السياسى وآليات عملياته المختلفة، وكما قلنا محددة بالأدوار، أما النقاش ففائدته نقل الصورة لصانع السياسة وليس الطعن على طول الخط فى أى قرار يتخذ، وليس خفيا أن هناك سياسات غير قابلة للنقاش على الملأ وغير معقول أن تفتح للعامة على السوشيال ميديا وكأنها مزاد علنى الكل يدلى بدلوه، كما أن جميع المصالح الحكومية الآن لديها مراكز تتلقى المقترحات والشكاوى وردود الأفعال، وتتجاوب مع المواطنين حينما يكون هناك إجماع خاص بمردود سياسة معينة، والمواطن لديه كامل الحرية فى مراسلة أى مصلحة حكومية بالبريد الإلكترونى أو حتى التواصل تليفونيا، ومعظم المصالح الحكومية لديها الآن خط ساخن للطوارئ والاتصال فى أى وقت، وهذا فى حد ذاته يعنى عدم السلبية من جانب صانع السياسة ويُشعِر المواطن العادى أن الشئون العامة والقرارات السياسية ترتبط بحياته ووجوده تأثيراً وتأثراً.
أخيرا فيما يخص النوع الأول الذى ينتشر على السوشيال ميديا محملا بأجندة سياسية ومنفذا لخطوات خبيثة عبر نشر الشائعات وتضليل الرأى العام، فهذا يواجه بسلاح وحيد هو وعى المتلقى وذكاؤه فى التقاط أصحاب المصالح على حساب الوطن، أما النوع الثانى من مهاويس الشهر والمفرغين من الداخل فأتصور أن الضبط مطلوب، حتى لو تطلب الأمر سن تشريعات جديدة وإصدار قوانين تنظم عمل ومحتوى هذه الوسائل بالتعاون مع جميع الهيئات والوزارات المعنية كالمجلس الأعلى للإعلام ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والضبط ليس معناه التضييق على حرية الرأى ولكن أن يدرك صاحب الرأى ما هو رأى بالفعل وما دون ذلك، ولا يخرج عن نطاقه ويلتزم بضوابط الحرية المسئولة، ويتحدث فيما يفهم ويجيد ويترك ما لا يعنيه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة