عيون الشعب
فى حياة الشعوب والامم شخصيات ملهمة .. شقت طريقها فى الصخر .. اعتمدت على نفسها .. دون واسطة او نفوذ او جاه او سلطان .. من هؤلاء العظماء على باشا مبارك .. ابن فلاح بسيط خرج من قرية برنبال احدى قرى مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية .. من مواليد ١٨٢٤ ميلادية .. فى زمن كان فيه الابن عليه فقط ان يحترف مهنة .. كالزراعة أو الحلاقه أو النجارة أو الكتابة أو فران أو اى عمل يدوى .. ليساعد الاسرة فى مواجهة تكاليف المعيشة .. فى زمن كان التعليم فقط داخل الكتاب .. لفترة معينة .. لا توجد مدارس ولا كليات .. كانت الوظائف اغلبها للاتراك فقط .. وكان فى مصر كلها مدرسة واحدة انشأها محمد على باشا .. حاكم مصر اسمها مدرسة القصر العينى بالقاهرة .. فقط من يتخرج منها .. يلتحق بالوظائف .. ولا يدخلها ابناء الفلاحين .. الا بالواسطة .. ويضع على مبارك وعمره ١١ سنة هدفه امامه .. والاهم ان يفعل المستحيل لتحقيقه .. ان يصبح من الحاكمين .. من الكبار .. من خريجى المدارس .. تخيلوا يذهب سيرا على الاقدام من ابو كبير شرقية الى القاهرة .. ليلتحق بمدرسة القصر العينى .. رحلة عذاب منذ خروجه من قريته .. تعرض خلالها للظلم والسجن والمرض .. لكن عزيمته لم تلين واصراره على تحقيق حلمه لم يتوقف لحظة .. ليصبح وحدا من كبار عظماء مصر على مر التاريخ .. ويصبح وزيرا للاشغال .. ثم وزيرا للمعارف ( التربية والتعليم ) .. ان قصة حياة على باشا مبارك .. تستحق ان نتوقف امامها ونلقى الضوء عليها .. فهى تعكس ارادة وإصرار والتغلب على كل الصعوبات لتحقيق الحلم والهدف .. يا ليت صناع السينما وكتاب الدراما ينتبهون الى مثل هذه النماذج المضيئة فى حياتنا .. اسمحوا لى ان اصحبكم لتكملة سيرة حياة على باشا مبارك .. فبعد ان انتقل من مدرسة القصر العينى الى مدرسة المهندس خانة .. قرر محمد على باشا إرسال مجموعة من متفوقى المدارس الى فرنسا .. وجاء على باشا مبارك منهم .. ولكن ناظر المدرسة لامبير بك .. حاول بكل الطرق .. اقناع على مبارك بعدم السفر وتعينه أستاذا معلما بالمدرسة .. واغراه بالمرتب والرتبة .. لكنه صمم على السفر .. وكما يقول على مبارك : رأيت ان سفرى يزيدنى شرفا ورفعة واكتسابا للمعارف .. بالرغم من ان أهلى فقراء ينتظرون منى المساعدة من وظيفتى .. لكنى رأيت الكثير الآجل ( المتأخر ) .. خيرا من هذا القليل العاجل .. ويسافر على مبارك الى فرنسا .. بمرتب شهرى ٢٥٠ قرشا .. جعل نصفها لأهله تصرف لهم من مصر كل شهر .. وهكذا كان يفعل على مبارك منذ دخل المدارس .. وعاش فى باريس سنتين .. وجاءت اول عقبة أو تحد .. اللغة الفرنسية التى لا يعرفها على مبارك .. ذهب واشترى كتاب للأطفال باللغة الفرنسية .. وحفظه عن ظهر قلب .. كما حفظ جزءا كبيرا من كتاب التاريخ بمعناه وحفظ اسماء الأشكال الهندسية والمصطلحات .. كل ذلك خلال الثلاثة شهور الأول من وصوله باريس .. وكان الامتحان كل ٣ شهور .. ويحصل على مبارك على المركز الأول على البعثة كلها .. بالتداول مع حماد بك وعلى باشا ابراهيم .. وقبل العودة إلى الوطن .. يتقرر تعيين الثلاثة الأوائل بمدرسة الطوبجية والهندسة الحربية فى فرنسا ايضا .. وتم منحهم رتبة الملازم الثانى .. واتموا فى هذه المدرسة سنتين ايضا .. وحصل على مبارك على المركز الخامس عشر من بين ٧٥ طالبا فرنسيا واجنبيا .. ونظرا لتفوق على مبارك ونبوغه .. تقرر فرنسا إلحاقه فى مدرسة الآلاى الثالث من المهندسين الحربيين بفرنسا .. لمدة عام .. ليصل عدد السنوات التى قضاها على مبارك فى فرنسا ٥ سنوات .. ويعود الى مصر .. ولكن كان عليه دين لصديق فرنسى .. ستمائة فرنك .. وكانت الأوامر المقررة ان لا يعود احد لمصر .. الا بعد سداد ديونه .. حتى لا يوضع فى السجن عند وصوله مصر .. وأخذ على مبارك يفكر .. فيما يصنع ..
واذا بصديق فرنسى .. يدعوه للعشاء عنده بمناسبة سفره .. وسأله عن سر حزنه .. فأخبره على مبارك بالدين الذى عليه .. وفى لحظات .. وجده يقدم له كيسا به مالا يساوي حجم الدين مرتين .. قائلا : بعد استقرارك فى مصر .. ترسل لى هذا المبلغ .. ولم يأخذ ايصالا بالمبلغ .. قائلا : يكفينى القول منك .. ويقول على مبارك .. انه ارسل هذا المبلغ بمعرفة قنصل عام فرنسا فى مصر .. الى صديقه الفرنسى .. وفى مصر استدعاه حسن باشا المناسترلى وهو وكيل أو نائب حاكم مصر فى ذلك الوقت .. ومنح على مبارك رتبة يوزباشى أول .. وتم تعيينه أستاذا بمدرسة طره .. ويقرر على مبارك الزواج من ابنة معلمه فى الرسم بمدرسة ابو زعبل .. بعد وفاة والدها .. لينقذها من الفقر .. ردا لجميل والدها عليه من حق التربية والمعرفة .. ويذهب على مبارك لزيارة اسرته فى برنبال .. بعد غياب ١٤ سنة .. ويقف على مبارك امام باب منزل الأسرة .. يطرق الباب فى شموخ وعظمة .. يرد على والدته وهى تقول : من على الباب .. ويجيب : ابنكم على مبارك .. انظر هنا الى بلاغة الرد .. ابنكم على مبارك .. نظرت الام .. الى ابنها وهو يرتدى الملابس العسكرية الفرنسية الزاهية وعلى جنبه السيف وعلى صدره كسوة التشريفة .. عانقته امه .. ووقعت مغشيا عليها .. ولما افاقت اخذت تبكى وتضحك وتزغرد .. وهنا مر شريط العمر امامها .. أهذا العظيم ابنى .. تذكرت .. كيف فر هاربا منهم بجلبابه .. وها هو يعود اليوم لترفع رأسها عاليا بإبنها فى زهو وسعادة .. بلغت حد سقوطها مغشيا عليها من الفرحة والسعادة التى لم يتحملها عقلها ولا قلبها .. والاكثر صعوبة عليها انها لا تملك قرشا واحدا .. لتكريم ابنها العائد فى ثوبه ومنصبه الجديد .. وهنا يتقدم على مبارك نحو امه ويناولها ٧٧٠ قرشا وهو مبلغ كبير جدا بمقياس ذلك الزمان .. ويتجمع الاهل والأصدقاء والجيران .. وتقيم الام وليمة للجميع .. ويقضى معهم يومين .. ويصطحب معه اخوه واخته الصغار .. متعهدا بتربيتهما .. ويخرج اهل برنبال لتحية ابن قريتهم .. وهو يخرج يده ليرد تحيتهم من نافذة سيارته الحكومية المهيبة .. وبقى ان اقول : ان الله لا يضيع اجر من أحسن عملا .. انتظرونى المقال القادم .