رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

هو واحد من العلامات الفارقة في عالم الدبلوماسية وصانعي السياسة الخارجية لأكبر قوة دولية مهيمنة في العصر الحديث.. كان مشاركا وشاهدا على عصر توهجها وانفرادها كقطب واحد يقود الحركة الدولية .. وربما يشاهد الان بداية الافول ويلاحظ ويعاين لحظات قلق الغروب الحتمي وهو يحلق بعمق رؤية قرن كامل من الزمان في عالم شديد الاضطراب والريبة تسيطر عليه مخاوف من اقتراب التنين الصيني من المرحلة الأخيرة قبل الوصول إلى القمة المزعجة والمحفوفة بمخاوف وهواجس قيام حرب نووية تنتظر لحظة طيش أخرى ربما تكرر مأساة نجازاكي وهيروشيما ..

هنري كيسنجر الذي تجاوز عمره المائة (من مواليد المانيا العام 1923 واحتفل بعيد ميلاده المائة في مايو الماضي) ثعلب السياسة الأمريكية لايزال في الملعب..والذي حمل العديد من الصفات على هذا الصعيد مثل "نجم العالم "بتعبير ووصف حافظ اسماعيل عندما زار وفد التفاوض المصري واشنطن ابان ماراثون المفاوضات مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر وقال في مذكراته : لقد سافر الوفد المصري ليقابل نجم العالم "..كما أطلق عليه ايضا القاب مهندس السياسة الأميريكية وأبو السياسة الواقعية وثعلب السياسة الأميريكية ولقب داهية الدبلوماسية الأميريكية .

كيسنجر يظهر في اللحظات الصعبة دائما في السياسة الدولية والعالم على مفارق طرق صعبة سواء في الحرب او على طرق المفاوضات الوعرة خلالها او بعدها..

يبدو أن الدبلوماسي الأمريكي على موعد مع الرقم ١٠٠ وهو يخطو خطوات مهمة نحو واحدة من مواقع الاشتباك الحاد في السياسة الدولية ونقطة صراع ملتهبة بالفعل ..خرج معها كيسنجر إلى العلن بعد ان كان في اطار التوقعات والتساؤلات من قبل الساسة يقولون ماذا كان سيفعل كيسنجر وكيف كان سيتصرف ..الان عاد إلى طاولة المفاوضات وبطريقة هو من يجيدها بل هي من اختراعه .. المفاوضات في القنوات الخلفية .. بارع هو في هذه الطريقة التي تتواءم وتتناسب وأساليبه في المكر والخداع وطرق الوصول إلى الأهداف واحداث الارتباك في صفوف جبهات التفاوض عموما وإثارة نوع من الفوضى أو نوع من عدم اليقين على الساحة مع تحقيق نوع من الصدمات السياسية والشعبية أيضا ..

هذه الطريقة ببساطة تعني تجاوز صانعي القرار لكبار مفاوضيهم واستكمال حل المسائل الصعبة في التفاوض خارج قنواته الرسمية وهو ما فعله في اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية سولت واحد وسولت اثنان2 وكذا في مراحل من مفاوضات فيتنام..

الحالة الكيسنجرية نموذج تستحق مزيدا من التأمل والدراسة واستخلاص الدروس في فنون التفاوض..لا يهم أن تتفق أو تختلف مع توجهاته وولائه لصهيونيته أو يهوديته لكنها مدرسة موحية وشديدة الإلهام لمن يريد أن يخدم بلاده ويرعى مصالحها ويستخدم كل الطرق للوصول إلى تحقيق الأهداف مشروعة أو غير مشروعة ..

المفاوض المصري بل الدبلوماسية خاضت غمار تجارب مهمة مع كيسنجر والإدارات الأمريكية المختلفة في أوج وقمة الصراع العربي الإسرائيلي والمصري الإسرائيلي وخاصة بعد نصر أكتوبر المجيد وفي ظل صراع القطبين الروسي والأمريكي في الهيمنة على الشرق عموما وليس الأوسط فقط ..

دور كيسنجر في مفاوضات الكيلو ١٠١ وما فعله من أجل حماية العدو الصهيوني والضغط على المفاوضين المصريين والتسلل الدائم إلى الرئيس السادات لانتزاع تنازلات ومكاسب لا ينسى وكاد كيسنجر بدهائه ومراوغاته الماكرة أن يحدث فتنة بين القيادة السياسية والعسكرية في التفاوض على فض الاشتباك..الأمر الذي عكسته وصورته بوضوح مذكرات القادة العسكريين ورجال البلوماسية المصرية العظام ..

يروي الفريق الجمسي رئيس الأركان الأسبق انه بعد سبعة اجتماعات مع الجانب الإسرائيلي طلب وقف الاجتماعات لأنها لم تعد مجدية ووصلت إلي طريق مسدود ولم تحقق نتائج إيجابية عن فك الاشتباك والفصل بين القوات للخلاف الجوهري بين وجهة النظر المصرية والإسرائيلية وتوقفت هذه المباحثات.بعدها بدأ كيسنجر في التحرك مرة أخرى .. توجه إلي أسوان يوم 11 يناير عام 1974م وقابل الرئيس السادات واتبع دبلوماسية المكوك بين أسوان وتل أبيب عدة مرات أعلن بعدها الوصول إلي إتفاقية فك الإشتباك الأول والفصل بين القوات وقد فوجئ اللواء الجمسي أثناء مفاوضات أسوان بكيسنجر يعلن موافقة السادات علي تخفيض حجم القوات المصرية علي الضفة الشرقية للقناة إلي 7000 جندي و30 دبابة وعدد محدود من المدفعية.. فقال لكيسنجر بحدة إنك تعطي إسرائيل كل ما يضمن تأمين قواتها وإني لا أوافق علي ذلك ولا يمكنني كرئيس أركان حرب للقوات المسلحة إيجاد المبرر لذلك ..

فقال كيسنجر: إنه يضع إستراتيجية للسلام مستقبلا فرد عليه الجمسي قائلا: أنا لا أتحدث عن السلام ولكن أتحدث عن تأمين قواتنا.. وترك غرفة الإجتماع بإنفعال بعد أن اغرورقت عيناه بالدموع وكانت هذه هي المرة الثانية التي تدمع فيها عيناه حيث كانت المرة الأولي بعد نكسة الخامس من يونيو 1967م وكان هذا الأمر بمثابة مفاجأة كبرى لهنري كيسنجر أن يرى دموع الجنرال الذي كثيرا ما أسر له القادة الإسرائيليون بأنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من القادة العسكريين العرب واتجه الرجل إلي دورة المياه ليمسح دموعه..وتملك الغضب كل أعضاء الوفد المصري وشحب لون كيسنجر وظل يتمتم قائلا ما الخطأ الذي قلته..ثم عاد الجمسي إلي الإجتماع صامتا حتي نهايته وراح كيسنجر يغرقه بالمديح قائلا: إن العسكريين الإسرائيليين لايخشون أحدا سواك..

وعلق الجمسي علي الموقف : كنت أتمني أن يستشير الرئيس السادات الفريق أول أحمد إسماعيل علي أو يستشيرني لإبداء الرأي في الموضوعات العسكرية ومنها الحجم المناسب للقوات التي يجب الإحتفاظ بها في سيناء.

كيسنجر ولعبة المفاوضات في عملية السلام مع الأطراف العربية سواء على الساحة الفلسطينية او السورية دفعت السفير الأمريكي مارتن انديك صاحب الدور الاشهر في المفاوضات مع الفلسطينيين وكان سفيرا للولايات المتحدة لمرتين في تل ابيب الى ان يصف كيسنجر بانه سيد اللعبة .. ووضع كتابا يحمل عنوان : "سيد اللعبة ..كيسنجر وفن السلام في الشرق الأوسط ".. وهي خطة جهنمية تفوقت إسرائيل في تنفيذها حتى الان حتى وصلت الأوضاع الى الحالة الراهنة فما يجري مقصود ومتعمد ومخطط له بعناية ..وهو ان تحصل إسرائيل على كل شيئ ويخسر الفلسطينيون كل شيء .. ولا شيء مقابل السلام .. وما طرح من أفكار او عمليات خداع مثل الأرض مقابل السلام اوالسلام مقابل الامن او أي اخر مرفوض إسرائيليا .. المطلوب انهاء القضية الفلسطينية بسياسة الخطوة خطوة وفرض اعتراف عربي بإسرائيل كدولة طبيعية..

الان وبعد القفزة الكيسنجرية المباغتة الى بكين يبدو ان الرجل يريد ان يكون سيد اللعبة في المسألة الصينية أيضا ..يستكمل خطته الأولى التي بدأها في بداية السبعينات والتى اعادت الصين الى الساحة الدولية ومنحها فرصة للانطلاق حتى وصلت الى ما هي عليه الان وأصبحت تشكل خطرا على القوة الامريكية وانفرادها بالهيمنة على العالم..

الدبلوماسي الأمريكي المخضرم رغم النفي الرسمي الأمريكي انه لا يمثل الإدارة الامريكية في لقاءات بكين الا انه على ما يبدو يحمل في جعبته الكثير من الامل نحو ترويض التنين الصيني المتحفز والمنطلق بخطى وئيدة واثقة نحو القمة بتحالفات واعدة على الساحة الدولية وأجنحة اقتصادية لا تقاوم..

الصين بدت مرحبة بزيارة الدبلوماسي العجوز الداهية وهي ايضا الزيارة رقم ١٠٠ للصين بحسب وكالة الشعب الصينية وفتحت له كل الأبواب في بكين وحتى لقاء الرئيس الى جانب مسئولين كبار وذكرت كيسنجر وهي سعيدة باسترجاع ذكريات الايام الخوالي مع كيسنجر .. في موقف له الكثير من الدلالات سواء على الساحة الامريكية او الصينية وحتى الدولية شديدة القلق مما يجري من تفاعلات على هوامش الحرب في أوكرانيا..

المدهش في القضية ان كيسنجر قبيل زيارة بكين ومنذ سنوات كان من أصحاب الدعوات الى كبح جماح الصين وعرقلة تقدمها بل كان يحث الإدارات الامريكية السابقة والحالية الى تشكيل تحالف ضدها وخاصة مع روسيا حتى لا تصل الى مرحلة الخطر المهدد للولايات المتحدة على الساحة العالمية.. وعبر عن ذلك في كثير من اللقاءات والحوارات مع وسائل الاعلام ومنذ ثلاث سنوات وصف كيسنجر الصين بانها اكبر مشكلة تواجه أمريكا والعالم باسره معللا ذلك بسبب ضخامة قدراتها العسكرية والتكنولوجية بشكل يفوق حالة الاتحاد السوفيتي السابق والذي كان يشكل قوة عسكرية فقط .. ومن هذا المنطلق دعا حينئذ الى تقارب امريكي روسي عاجل لوقف التوسع الصيني..

بكين بدت اكثر براجماتية وانفتاحا وكانت مستوعبة تماما لافكار واطروحات كيسنجر ولم تظهر أي امتعاض أو انزعاج فردت عليه بحكمة ودهاء أيضا وقالت لكيسنجر بوضوح في اول لقاء وكانها لاتريد تضييع الوقت: "تطويق الصين واحتواؤها مستحيلان".

التأكيد جاء على لسان كبير مسؤولي العلاقات الخارجية في الصين وانغ يي خلال لقاء كيسنجر في بكين وقال ايضا "تطور الصين يتمتع بدينامية داخلية ومنطق تاريخي مطلق ومحاولة تغيير الصين مستحيلة وتطويق الصين واحتواؤها مستحيلان".وشكر كيسنجر على "مساهماته التاريخية في تحسين العلاقات بين الصين والولايات المتحدة".

وقال وانغ إن "سياسة الصين تجاه الولايات المتحدة لا تزال مستمرة وتتبع المبادئ التوجيهية الأساسية التي اقترحها الرئيس شي جينبينغ وهي الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين.وهذه المبادئ التوجيهية الثلاثة أساسية وطويلة الأجل وهي الطريق الصحيح للصين والولايات المتحدة وهما دولتان عظيمتان للتوافق".

وبوضوح اكثر قال الدبلوماسي الصيني أن "السياسة الأميريكية تجاه الصين تحتاج إلى حكمة دبلوماسية على طريقة كيسنجر وشجاعة سياسية على طريقة نيكسون"(الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي أقام علاقات دبلوماسية مع الصين الشيوعية.

بقي ان نعرف ان هناك الكثير من الكتابات الامريكية – فضلا عن الدولية – توجه انتقادات حادة لكيسنجر وارائه وتوجهاته وتحمله المسئولية عن ادامة الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق كثيرة على حساب الامن الأمريكي..

والمدهش انه اتهم صراحة بانه عميل للنفوذ الصيني لانه عمل على الدفع نحوعلاقات افضل مع الصين وساهم في إخراجها من عزلتها في الفترة الشيوعية حتى أصبحت قوة تنافس أمريكا وتهدد تحالفاتها على الساحة الدولية..

..والله المستعان ..

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة