رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


من أهم الأحداث التى شهدتها الدعوة الإسلامية في مهدها وبداية عهدها النبوى، تلك الهجرة التى قام بها سيّدنا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- من مكّة المكرَّمة إلى المدينة المنوّرة، استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، لنشر الدين الجديد في ربوع الدنيا، بعد أن وقف صناديدُ الكفر والشِرك فى وجهه، فكانت الهجرة هى الانطلاقة الحقيقية للإسلام، حيث فتحت الأبواب والقلوب لدين الله، يدخله الناس فُرادى وجماعات.
وقد اتّفق الصحابة- عليهم رضوان الله- على اتّخاذها تقويمًا لتأريخ المسلمين في مُكَاتباتهم وتعاملاتهم الحياتية.
وقد امتلأت أحداث الهجرة بالعديد من الدروس والعِبَر، التى ستظلُ معيناً فيَّاضًا ينهلُ منه المسلمون ما شاء الله لهم، إلى أن يرثَ الأرضَ ومن عليها، وعلى رأس تلك الدروس ما سجَّلته السيرة النبوية ذاتها فى هذا الحدَث الجَلَل، من التهيُّؤ والإعداد والتخطيط والإسرار والتمويه، ثم التوكّل على الله، القادر سبحانه على نَقْل حبيبه ومصطفاه بقانون "كُنْ فيكون"، غير أنه أراد أن يُقدِّم لنا القدوة لنتعلّم نحن المسلمين ونتّخذها منهجاً لحياتنا، لا أن نتواكل ونترك الأمور للفوضى والعشوائية، فقد طالبنا الله، باتّخاذ الأسباب وهو سبحانه يتولّى النتائج، حتّى مع أقرب وأفضل وأعزّ خَلْقِه إليه.
وللأسف الشديد، تعاقبت السنون والأجيال وبدأنا نبعُد رويداً رويداً عن المنهج النبوي، بل حتّى عن منهج السَلَف الصالح، فأصابنا ما حلَّ بنا من تقهقُر وتخاذل، على كل مستويات حياتنا، وجميعنا على يقين بأن فلاحَنا إنما هو مرهون بحُسن تعبُّدنا وفهمنا لمنهج الله، الذى أراده لنا، لتستقيم دُنيانا وأخرانا، على مُراده عزَّ وجلَّ.
فما لنا لا نتّخذ من حادث الهجرة النبوية نُقطة تحوِّل، وانطلاقة جديدة في حياتنا، ونسير على منهج سيّدنا رسول الله، لنُصلح أمورنا الدنيوية، ونسعد فى دنيانا الفانية، ولتكون بِشَارة لنا على حال أُخرانا الباقية، وأوّل صور التغيير في حياتنا، حُسن التوكّل على الله، وما يستلزمه من متطلّبات التخطيط الجيّد، والإعداد المُحْكَم، واتّباع الخطوات العلميّة المدروسة، وليس التواكل والعشوائية.
وكُلِّى يقين بأننا قادرون على تحقيق هذا الهدف- إن شاء الله- إذا صَدَقت النوايا وصَفَت النفوس، وهذه هي الهجرة المعاصرة التي نُريدها.
هجرة من الكذب والنفاق والاستعلاء وكل ما حرَّم ونهى عنه اللهُ ورسولُه من سيّئ الأفعال والسلوكيّات والأخلاق، إلى محاولة التمسُّك بما أمرَنا به جلَّ شأنه وجاءنا به سيّد الخَلْق، وحتى لا تكون الأمور صعبة أو بها مشقّة- خاصّة بعد طول غياب عن التمثُّل بها فى حياتنا- فليبدأ كلّ واحد منّا بـ"خِصْلَة" أو صفة واحدة تكون قريبة إليه، وسهلة التنفيذ، فإذا ما صارت له عادة ملازمة له فى أقواله وأفعاله، انتقل إلى غيرها، وهكذا حتى تجتمع فيه أكبر نسبة وعدد من الأخلاقيات التى افتقدناها، ونحن فى أمسِّ الحاجة إليها اليوم، لضبط أمور حياتنا، لأنه بدون أخلاق فلا فلاح ولا نجاة لنا مما نعانيه.
وفى النهاية، لنجعل العام الهجرى بداية صفحة جديدة فى حياتنا، فهذه هى الهجرة المعاصرة المطلوبة، وكل عام والجميع بخير وأمن وسلام.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة